وقوله : فقلنا اضربوه ببعضها [ البقرة : الآية ٧٣ ] صيغة الجمع للتعظيم، و ( الفاء ) عاطفة للجملة على ما قبلها، يعني : تدارأتم في القتيل، فقلنا لكم : اضربوه ببعض البقرة ؛ ليبين لكم الواقع، وتعرفون القاتل، وينتهي النزاع فقلنا صيغة الجمع للتعظيم، اضربوه أي : القتيل. فالضمير عائد إلى القتيل. المفهوم من النفس في قوله : نفسا ، فأنث الضمير باعتبار لفظ النفس، وذكره باعتبار معناها ؛ لأن القتيل ذكر، وقد يكون الذكر يعبر عنه بلفظ مؤنث، فيجوز التأنيث مراعاة للفظ، والتذكير مراعاة للمعنى. ومنه في كلام العرب قول الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى*** وأنت خليفة ذاك الكمال
فأنث ( الخليفة ) وأطلق عليه لفظ ( الأخرى ) نظرا إلى تأنيث لفظه، مع أنه يجوز تذكيره ؛ لأنه رجل. فقلنا لهم : اضربوا القتيل ببعض هذه البقرة، فضربوه ببعضها فحيي.
وهذا البعض الذي ضربوه به منها اختلف فيه المفسرون، فمنهم من يقول : هو لسانها. ومنهم من يقول : فخدها. ومنهم من يقول : عجب ذنبها. ومنهم من يقول : الغضروف، غضروف الأذن.
والحق أن هذا البعض الذي ضربوه به منها لا دليل عليه، ولا جدوى في تعيينه. وكثيرا ما يولع المفسرون بالتعيين في أشياء لم يرد فيها دليل من كتاب ولا سنة، ولا جدوى تحت تعيينها، فيتعبون بما لا طائل تحته، كاختلافهم في خشب سفينة نوح من أي شجر هو ؟ وكم كان عرض السفينة ؟ وطولها ؟ وكم فيها من الطبقات ؟ وكاختلافهم في الشجرة التي نهي عنها آدم وحواء، أي شجرة هي ؟ وكاختلافهم في كلب أصحاب الكهف ما لونه، هل هو أسود أو اصفر ؟ وكثير من هذه الأمور التي يولعون بها ولا طائل تحتها، ولا دليل عليها من كتاب وسنة. غاية ما دل عليه القرآن : أنهم ضربوه ببعض من تلك البقرة غير معين، فقلنا اضربوه ببعضها أي : فضربوه ببعض منها فحيي بإذن الله، فأخبرهم بقاتله، ثم عاد ميتا، ولم يرثه قاتله الذي قتله. قال بعض العلماء : ومن ذلك اليوم لم يرث قاتل عمدا.
وعامة العلماء على أن القاتل لا يرث، سواء كان القتل عمدا أو خطأ، لا من المال ولا من الدية. وعن مالك بن أنس ( رحمه الله ) التفصيل بين الدية والمال في خصوص القتل خطأ، قال : إن القاتل خطأ يرث من المال، ولا يرث من الدية. والجمهور على خلافه، وشذ قوم فورثوه من المال والدية في القتل خطأ.
وقوله : كذلك يحي الله الموتى يعني : كما أحيا الله هذا القتيل وهذا الجم الغفير من الناس ينظرون، كذلك الإحياء المشاهد يحيي الله الموتى يوم القيامة، فهو دليل قرآني على البعث ؛ لأن من أحيا نفسا واحدة فهو قادر على إحياء جميع النفوس ؛ لأن ما جاز على المثل يجوز على مماثله، والله ( جل وعلا ) يقول : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [ لقمان : الآية ٢٨ ].
وهذه الآية الكريمة تؤخذ منها فوائد، من الفوائد التي تؤخذ منها : أن الخالق الفاعل كيف يشاء هو رب السماوات والأرض. وأن الأسباب لا تأثير لها إلا بمشيئة الله. وأن الله يسبب ما يشاء على ما شاء من الأسباب، ولو لم تكن بين السبب والمسبب مناسبة، فهذا القتيل لو ضرب بالبقرة وهي حية لقال قائل جاهل : اكتسب الحياة من حياتها فالله ( جل وعلا ) أمرهم أن يذبحوها حتى تكون ميتة، وأن يأخذوا قطعة ميتة منها لا حياة فيها فيضربوا بها هذا القتيل فيحيا. فضربه بهذه القطعة الميتة من هذه البقرة المذبوحة كان سببا لوجود الحياة فيه. وهذا السبب لا مناسبة بينه وبين المسبب، فدل على أن خالق السماوات والأرض يفعل ما يشاء كيف يشاء، ويرتب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب باختياره وقدرته ومشيئته، ولو لم تكن هناك مناسبة بين السبب ومسببه.
أخذ مالك ( رحمه الله ) دون عامة العلماء من هذه الآية حكما، وهو أنه يثبت القسامة. بقول المقتول : " دمي عند فلان " ؛ لأن هذا القتيل لما حيي أخبرهم أن قاتله فلان، وعملوا بقوله، قال مالك : فعملهم بقوله الذي دل عليه القرآن دليل على أن من قال : " قتلني فلان ". أنه يعمل بقوله، ومن هنا جعل قول المقتول إذا أدرك وبه رمق وقيل له : من ضربك ؟ فقال لهم : " قتلني فلان، أو دمي عند فلان ". فهذا لوث عند مالك حلف معه أيمان القسامة، ويستحق به الدم أو الدية، على التفصيل المعروف فيما تستحق به القسامة من عمد أو خطأ.
وخالف مالكا في هذا الفرع عامة العلماء، وقالوا : قول القتيل : " دمي عند فلان " هذا لا يمكن أن يسوغ القسامة ؛ لأنه لو قال : " لي درهم على فلان، أو أطالب فلانا بكذا " لا يثبت من ذلك شيء، فكيف يثبت به القتل ودم المعصوم ؟ ومالك استدل بهذه القصة، واستدل أيضا بأن الإنسان إذا كان في آخر عهد من الدنيا زال غرضه من الكذب، وصار منتقلا إلى دار الآخرة، وصارت الدواعي إلى الكذب بعيدة جدا في حقه، فالذي يغلب على الظن أنه لا يخبر إلا بالواقع.
وأجاب الجمهور عن القصة قالوا : هذه القصة لا يقاس عليها غيرها ؛ لأن هذا قتيل أحياه الله معجزة لنبي، وأخبرهم – مثلا – أنه يحييه، وأنه يخبرهم بمن قتل وهذا الإخبار مستند إلى دليل قطعي، فليس كإخبار قتيل آخر.
وأجاب ابن العربي في أحكامه عن هذا قال : المعجزة إنما هي في إحياء القتيل، أما كلام القتيل، فهو كسائر كلام الناس، يجوز في حقه أن يكون حقا، وأن يكون كذبا.
وعلى كل حال فهذا الفرع خالف فيه مالكا جمهور العلماء.
وقوله جل وعلا : كذلك يحي الله الموتى فيه دليل على أن قصة إحياء هذا القتيل من الأدلة على البعث، وقد بينا فيما مضى خمسة أمثلة منها في هذه السورة الكريمة.
وقوله : ويريكم آياته ويريكم مضارع ( أراه )، أصلها يرئيكم آياته. أي : يبينها لكم حتى ترونها. ءاياته الآية : تطلق في اللغة إطلاقين، وجمهور علماء العربية أن أصل وزن الآية ( أيية ) فهي وزنها :( فعلة ) فاؤها همز، وعينها ياء، ولامها ياء، اجتمع فيها موجبا إعلال، على القاعدة المقررة في التصريف، التي عقدها في الخلاصة بقوله :
من [ واو أو ياء ] بتحريك أصل*** ألفا ابدل بعد فتح متصل
والأصل المشهور أن يكون الإعلال في الأخير، فالجاري على القياس أن يقال : أياة، وتبدل الياء الأخيرة ألفا، إلا أنه أبدلت هنا الياء الأولى. وإعلال الأول من الحرفين اللذين اجتمع فيهما موجبا إعلال موجود في القرآن، وفي كلام العرب، كآية، وغاية.
والآية تطلق في لغة العرب إطلاقين : تطلق الآية بمعنى :( العلامة ).
وهذا إطلاقها المشهور. ومنه قول نابغة ذبيان :
توهمت آيات لها فعرفتها*** لستة أعوام وذا العام سابع
ثم صرح بأن مراده بالآيات علامات الدار في قوله :
رماد ككحل العين لأيا أبينه*** ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
ومن هذا المعنى قوله : إن آية ملكه أي : علامة ملكه أن يأتيكم التابوت الآية [ البقرة : الآية ٢٤٨ ].
وتطلق الآية على :( الجماعة )، تقول العرب : جاء القوم بآياتهم، أي : بجماعتهم، ومنه قول برج بن مسهر :
خرجنا من النقبين لا حي مثلنا*** بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا
أي : بجماعتنا.
والآية تطلق في القرآن إطلاقين : آية كونية قدرية، كقوله : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب [ آل عمران : الآية ١٩٠ ] وهذه الآية الكونية القدرية من ( الآية ) بمعنى ( العلامة ) باتفاق، أي : لعلامات على كمال قدرة من وضعها، وأنه الرب وحده، المعبود وحده.
وتطلق الآية في القرآن بمعناها الشرعي الديني، كقوله : رسولا يتلوا عليكم آيات الله [ الطلاق : آية ١١ ] أي : آياته الدينية الشرعية.
والآية الدينية الشرعية قيل : من ( العلامة ) ؛ لأنها علامات على صدق من جاء بها، لما فيها من الإعجاز. أو لأن لها مبادىء ومقاطع علامات على انتهاء هذه الآية وابتداء الآية الأخرى.
وقال بعض العلماء : هي من ( الآية ) بمعنى ( الجماعة ) ؛ لأن الآية كأنها نبذة وجماعة من كلمات القرآن، تتضمن بعض ما في القرآن من الإعجاز، والأحكام، والعقائد، والحلال، والحرام.
هذا معنى : ويريكم آياته يعني : يجعلكم ترونها واضحة. أي : علاماته الواضحة على كمال قدرته وإحيائه للموتى، وأنه يبعث الناس بعد أن يموتوا.
لعلكم تعقلون يعني : لأجل أن تدركوا بعقولكم أنه ( جل وعلا ) يحيي الناس بعد الموت، ويبعثهم من قبورهم، وأنه قادر على كل شيء، وأنه المعبود وحده، و تعقلون معناه : تدركون بعقولكم.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير