ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة والمراد به خروج الرحمة واللين والخير عن قلوبهم، ويترتب عليه طول الأمل ونسيان الذكر واتباع الشهوات، وكلمة ثم لاسبعاد القسوة بعد موجبات الرقة.
مِّن بَعْدِ ذَلِكَ يعني إحياء القتيل أو جميع ما عد من الآيات، قال الكلبي : قالوا بعد ذلك نحن لم نقتله فَهِيَ في القساوة كَالْحِجَارَةِ أو بل هي أشد أزيد منها قسوة أو أنها مثلها بل مثل هو أشد منها قسوة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وفي أشد من المبالغة ي القساوة ما ليس في أقسى، ويكون أو للتخيير في التشبه أو للترديد من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى وترك ضمير المنفصل عليه لعدم اللبس، وإنما ذكر الحجارة دون الحديد والنحاس لأن الحديد ونحوها تلين بالنار دون الحجارة، ثم بين وجه الخير في الحجارة دون القلب القاسي فقال وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء يعني عيونا دون الأنهار فينتفع بها عباد الله بخلاف قلوب الكفار حيث لا منفعة فيها أصلا وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ من أعلى الجبل مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وقلوبكم تلين ولا تخشع. فإن قيل : الحجر جماد فكيف يتصور منه الخشية، قال البيضاوي : الخشية مجاز عن انقيادها للأوامر التكوينية ؟ قلت : وهذا ليس بشيء فإن الانقياد للأوامر التكوينية موجود في قلوب الكفار أيضا قال الله تعالى : ختم الله على قلوبهم ١ فهم انقادوا للختم وقال : ولله يسجد ما في السموات و الأرض طوعا وكرها ٢. وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء » ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك »٣ رواه مسلم، والتحقيق ما قال البغوي : أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لايقف عليه غيره، فلها صلاة تسبيح وخشية قال الله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ٤ وقال : أكثرهم بهم مؤمنون ٥ وقد مر الكلام في هذا الباب في ذكر عذاب القبر في تفسير قوله تعالى : ثم يميتكم ثم يحييكم ٦.
قال البغوي : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل : انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله تعالى بذلك وقال له جبل حراء إلي إلي يا رسول الله، وروى البغوي بسنده عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن »٧ هذا حديث صحيح أخرجه موسى، قال وصح عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال :«هذا جبل يحبنا ونحبه »٨ وعن أبي هريرة قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم أقبل على الناس بوجهه فقال :«بينا رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت : إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا لحراثة الأرض، فقال الناس : سبحان الله بقرة تكلم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإني أومن به وأبو بكر وعمر وما هما ثم، وقال : بينا رجل في غنم له إذ عدا الذئب على الشاة منها فأدركها صاحبها فاستنقذها، فقال الذئب : فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غير ؟ فقال الناس : سبحان الله ذئب تتكلم ! فقالك أومن به وأبو بكر وعمر وما هما ثم »٩ متفق عليه.
وصح عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد »١٠ أخرجه مسلم، وروي بسنده عن علي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فرحنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر فلم نمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله، وروى بسنده عن جابر بن عبد اله يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية تحن كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت »١١. وقال مجاهد لا ينزل الحجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله تعالى.
وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وعيد قرأ ابن كثير يعملون بالياء التحتانية والباقون بالتاء الفوقانية.
٢ سورة الرعد، الأية١٥.
٣ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء٢٦٥٤.
٤ سورة الإسراء، الآية: ٤٤.
٥ سورة النور، الآية: ٤١.
٦ سورة البقرة، الآية: ٢٨.
٧ أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة٢٢٧٧.
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل الخدمة في الغزو٢٨٨٩. وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة١٣٦٥.
٩ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم «لو كنت متخذا خليلا»٣٦٦٣. وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه٢٣٨٨.
١٠ أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما٢٤١٧. وأخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في الخلفاء٤٦٣٦. وأخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: في مناقب عثمان رضي الله عنه٣٧٠٥.
١١ أخرجه النسائي في كتاب: الجمعة، باب: مقام الإمام في الخطبة١٣٩٢.
التفسير المظهري
المظهري