ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

تذكره، وتؤَنثه، فتقول هذا بقر وهذه بقر، وهذا نخل وهذه نخل.
فمن ذكَّر فلأن في لفظ الجمع أن يعبر عن جنسه فيقال: فتقول هذا جَمْع، وفي لفظه أن يعبر عن الفرقة والقطعة، فتقول هذه جماعة وهذه فرقة - قال اللَّه عزَّ وجلَّ:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) فذكًر، وواحدته سحابة.
وقال: (والنَخْلَ بَاسِقَاتٍ) فجمع على معنى جماعة، ولفظها واحد.
فمن قرأ (إن البقرَ تَشَابه علَيْنَا) فمعناه أن جمَاعةَ البقر تَتَشَابَه عَلَيْنَا.
فأُدْغِمتِ التاءُ في الشين لقرب مخرج التاءِ من الشين، ومن قرأ تَشَّابَهُ علينا، أراد تتشابه فحذف التاءَ الثانية لاجتماع تاءَين كما قرئ (لعلكم تَذَكرون) ومن قرأ (يَشَّابَه علينا) - بالياءِ - أراد جنس البقر أيضاً، والأصل يتَشَابه علينا، فأدغم التاءُ في الشين.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)
تأويل (قست) في اللغة غلظت ويبست وصلبت فتأويل القسو في القلب
ذهاب اللين والرحمة والخضوع والخشوع منه.
ومعنى (من بعد ذلك) أي من بعد إِحياءِ الميت لكم بعضوٍ من أعضاءِ البقرة، وهذه آية عظيمة كان يجب على من يشاهدها - فشاهد بمشاهدتها من قدرة عزَّ وجلَّ ما يزيل كل شك - أن يلين قلبه ويخضع، ويحتمل أن يكون
(من بعد ذلك) من بعد إِحياءِ الميت
والآيات التي تقدمت ذلك نحو مسخ القردة والخنازير ونحو رفع الجبل فوقهم، ونحو انْبِجاس الماءَ من حجر يَحْملونه معهم، وإِنما جاز ذلك وهُؤلاءِ

صفحة رقم 155

الجماعة مخاطبون، ولم يقل ذلكم - ولو قال ذلكم كان جيداً -
وإنما جاز أن تقول للجماعة بعد ذلك وبعد ذلكم؛ لأن الجماعة تؤَدي عن لفظها: الجميع والفريق، فالخطاب في لفظ واحد، ومعنى جماعة.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً).
وقد روي (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) ومعنى تشبيه القسوة بالحجارة قد - بيناه، ودخول " أو " ههنا لغير معنى الشك ولكنها (أو) التي تأتي للإباحة تقول: الذين ينبغي أن يؤخذ عنهم العلم الحسن أو ابن سيرين، فلست بشاك، وإِنما
المعنى ههنا: هذان أهل أن يؤخذ عنهما العلم، فإن أخذته عن الحسن فأنت
مصيب، وإن أخذته عن ابن سيرين فأنت مصيب، وإِن أخذته عنهما جميعاً
فأنت مصيب، فالتأويل اعلموا أن قلوب هُؤلاء إِن شبهتم قسوتها بالحجارة
فأنتم مصيبون أو بما هو أشد فأنتم مصيبون ولا يصلح أن تكون (أو) ههنا بمعنى الواو.
وكذلك قوله: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً... أوكَصَيِّبٍ)، أي إِن
مثلْتَهمْ بالمستوقد فذلك مثلهم، وإِن مثلتهم بالصَيِّبِ فهو لهم مثلٌ وقد
شرحناه في مكانه شرحاً شافياً كافياً إِن شَاءَ اللَّه.
فمن قرأ (أشد قسوة) رفع أشد بإضمار هي كأنَّه قال: أو هي أشد
قسوة، ومن نصب (أوأشد قسوة) فهو على خفض في الأصل بمعنى الكاف.
ولكن أشد أفعل - لا ينصرف لأنه على لفظ الفعل، وهو نعت ففتح وهو في

صفحة رقم 156

موضع جر - ويجوز في قوله تعالى (فهي كالحجارة) (فَهْي) كالحجارة -
بإسكان الهاءِ - لأن الفاءَ مع هي قد جَعَلَتْ الكلمة بمنزلة. فخذ، فتحذف
الكسرة استثقالاً، وقد روى بعض النحويين أنه يجوز في " هي " الإِسكان في
الياءِ من (هي) ولا أعلم أحداً قرأ بها، وهي عندي لا يَجوزُ إسكانها ولا
إسكانُ الواو في هو، لا يجوز " هو ربَكُمْ " وقد روى الإِسكان بعضُ النحوِيين وهو رديءٌ لأن كل مضمز فحركته - إذا انفرد - الفتح، نحو أنا رَبكم، فكما لا تسْكن نون أنا لا تسْكن هذه الواو.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ).
بين عزَّ وجلَّ كيف كانت قلوبهم أنها أشد قسوة وأصلب من الحجارة
وأعلم أن الحجارة تتفجر منها الأنهار، ومنها ما يشَّقَّقُ فيخرج منه الماءَ يعني
العيون التي تخرج من الحجارة ولا تكون أنهاراً، ومنها ما يهبط من خشية
الله فقالوا إن الذي يهبط من خشية الله نحو الجبل الذي تجلى اللَّه له
حين كلم موسى عليه السلام، وقال قوم إِنها أثر الصنعة التي تدل على أنَّها
مخلوقة، وهذا خطأ، لأن ليس منها شيء ليس أثر الصنعة بينا في جميعها
وإنما.. الهابط منها مجعول فيه التميز كما قال عزَّ وجلَّ: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ).
وكما قال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ).
ثم قال: (وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ) فأعلم أن ذلك

صفحة رقم 157

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

عرض الكتاب
المؤلف

أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج

تحقيق

عبد الجليل عبده شلبي

الناشر عالم الكتب - بيروت
سنة النشر 1408
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 5
التصنيف ألفاظ القرآن
اللغة العربية