ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

يقول الله جل وعلا : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون [ البقرة : الآية ٧٤ ].
قال بعض العلماء :( ثم ) في قوله : ثم قست قلوبكم للاستبعاد ؛ لأن هذا الذي نظروه من آيات الله، وعبره، وإحيائه للقتيل سبب عظيم للين القلوب، فقسوة القلوب بعد مشاهدته من الأمر المستبعد ؛ ولذا قال : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك الأمر الذي عاينتموه، وهو إحياء القتيل، الذي هو أعظم سبب للين القلوب، ف ( ثم ) هنا للاستبعاد، كما قاله بعض العلماء. ونظيره من إتيان ( ثم ) للاستبعاد قوله تعالى في أول سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [ الأنعام : آية ١ ] ؛ لأن من خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور يستبعد جدا أن يجعل له عديل ونظير. ونظير ( ثم ) للاستبعاد من كلام العرب قول الشاعر :
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة*** يرى غمرات الموت ثم يزورها
لأن من رأى غمرات الموت تستبعد منه زيارتها.
والإشارة في قوله : ذلك عائدة إلى ما ذكر من إحياء القتيل لما ضرب بالجزء من البقرة الميتة، ومعنى قسوة القلوب : شدتها وصلابتها حتى لا يدخل فيها خير ؛ لأن ذا الشيء القاسي ليس بقابل لدخول شيء فيه، فقلوبهم صلبة شديدة نابية عن الخير لا يدخلها وعظ ولا ينجع فيها خير. والسبب الذي قست به قلوبهم نهى الله عن ارتكابه المسلمين في قوله : ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [ الحديد : آية ١٦ ].
وقوله : فهي كالحجارة أي : في شدة القسوة والصلابة، فكما أنك لو أردت أن تدخل ماء أو دهنا في جوف حجر صلب أصم لا يمكن لك ذلك، فلا يمكن أن تدخل في قلوبهم خيرا، ولا موعظة، ولا شيئا ينفعهم ؛ لقساوتها – عياذا بالله.
وقوله : أو أشد قسوة ؛ أو أشد مرفوع عطفا على الكاف من قوله : فهي كالحجارة أي : فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة ؛ لأن الكاف في معنى ( مثل ). وقيل : عطف على محل الجار والمجرور ؛ لأنه في محل رفع خبر المبتدأ، أي : فهي كالحجارة، أو فهي أشد قسوة.
و قسوة تمييز محول عن الفاعل ؛ لأنه بعد صيغة التفضيل، على حد قوله في الخلاصة :
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا*** مفضلا كأنت أعلى منزلا
لأن قسوة تمييز فاعل في المعنى، فنصب بأفعل مفضلا تمييزا محولا عن الفاعل.
ثم إن الله ( جل وعلا ) بين أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة، قال : وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار يعني : إن بعض الحجارة ربما [ تفجر منه الأنهار ]، وبعضها ربما لان فتشقق فخرج منه ماء، وقلوبهم لا تلين ولا ينفجر منها خير، لا قليل ولا كثير.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم : ما معنى ( أو ) في قوله : أو أشد قسوة والمخبر بهذا الكلام ( جل وعلا ) يستحيل في حقه الشك، فما معنى ( أو ) في قوله : فهي كالحجارة أو أشد قسوة ؟
للعلماء في هذا السؤال أجوبة معروفة، أظهرها : أن " أو " للتنويع، و " أو " التي هي للتنويع تدل على نوع. والمعنى : أن منهم نوعا قلوبهم كالحجارة، وهنالك نوع آخر دلت عليه ( أو ) التنويعية أقسى قلوبا من هذه (... ).

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير