ثم إن الله ( جل وعلا ) ذكر طائفة أخرى من اليهود هم منافقون، وهذه الطائفة المنافقة ذكرها تعالى بقوله : وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون [ البقرة : الآيتان ٧٦ ٧٧ ]
( إذا ) : ظرف فيه معنى الشرط، العامل فيه دائما جزاء الشرط لا فعل الشرط، وهو من الأسماء الملازمة للإضافة إلى جمل الأفعال خاصة، كما قال في الخلاصة :
وألزموا إذا إضافة إلى*** جمل الأفعال كهن إذا اعتلى
و ( لقوا ) أصله : لقيوا ( فعلوا )، والقاعدة المقررة في التصريف : أن كل فعل ناقص – أعني معتل اللام – سواء كان واوي اللام، أو يائي اللام، إذا أسند إلى واو الجماعة، أو ياء مؤنثة مخاطبة، وجب حذف لامه المعتلة بقياس مطرد. فحذفت هذه الياء التي هي لام الكلمة، وأبدلت كسرة القاف ضمة لمجانسة الواو. فأصله :( لقيوا ) على وزن ( فعلوا )، ووزنه الحالي وإذا لقوا ( فعوا ) ؛ لأن الياء التي في موضع اللام حذفت لإسناد الفعل الناقص إلى واو الجماعة، كما هو مقرر في التصريف.
الذين ءامنوا في محل نصب مفعول به ل لقوا ، والمعنى : أن هؤلاء الطائفة من المنافقين إذا اجتمعوا بالمؤمنين – النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه – قالوا ءامنا . ذكروا لهم أنهم آمنوا نفاقا، وبينوا لهم أن النبي المنتظر المبشر به أن صفاته الموجودة في كتبهم متطبقة على هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. هذا معنى قوله : وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا .
وإذا خلا بعضهم إلى بعض يعني : رجعوا إلى أصحابهم وكان الموضع خاليا من المؤمنين، بأن كان الموجود فيه هم فيما بينهم.
قالوا يعني : أصحابهم الذين لم ينافقوا. قالوا منكرين على الذين نافقوا وموبخين لهم : أتحدثونهم أي : أتحدثون المؤمنين – النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه – بما فتح الله عليكم يعني : بما فتح عليكم علمه في التوراة من أن هذا هو النبي المنتظر، وأن هذه صفاته، أنها متطبقة، وأنه هو لا شك فيه، وأنكم مؤمنون به لما علمتم من أنه هو النبي الموعود به المنتظر.
ليحاجوكم بهذا الإقرار عند ربكم أنكم أقررتم بأنكم تعرفون أنه الحق، وأن صفاته متطبقة على صفات النبي المنتظر، فإن هذا يحاجونكم به يوم القيامة، أنكم عرفتم الحق وتركتموه.
وهذا يدل على أنهم في غاية الجهل ؛ لأنهم لو كتموه أليس الله عالما بما في ضمائرهم ؟ وما الفرق بين ما لو أقروا بأنهم عرفوا الحق وكتموه، أو كتموه ولم يقولوا ؟ ولذا وبخهم الله بقوله : أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير