ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

تمهــــــيد :
انقضى المقطع من السورة في تذكير بني إسرائيل بأنعم الله عليهم وجحودهم لهذا الإنعام المتواصل، وباستعراض مشاهد الإنعام والجحود، بعضها باختصار وبعضها بتطويل، وانتهى هذا الاستعراض بتقرير ما انتهت إليه قلوبهم في نهاية المطاف من قسوة وجفاف وجدب، أشد من قسوة الحجارة وجفافها وجدبها، ( فالآن يأخذ السياق في الاتجاه بالخطاب إلى الجماعة المسلمة يحدثها عن بني إسرائيل، ويبصرها بأساليبهم ووسائلهم في الكيد والفتنة، ويحذرها كيدهم ومكرهم على ضوء تاريخهم وجبلتهم، فلا تنخدع بأقوالهم و دعاويهم ووسائلهم الماكرة في الفتنة والتضليل، ويدل طول هذا الحديث وتنوع أساليبه على ضخامة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من الكيد المنصوب لها والمرصود لدينها من أولئك اليهود ) ( ١٩٧ ).
لقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه شديدي الحرص على دخول اليهود في ساحة الدين الجديد، طامعين في انضوائهم تحت لوائه ؛ لأن دينهم أقرب الأديان إلى دينهم في تعاليمه ومبادئه وأغراضه فهم يشتركون معهم في الاعتقاد بالتوحيد والتصديق والبعث والنشور، وكتابهم مصدق لما معهم.
فقص الله في هذه الآيات على المؤمنين من أنبائهم ما أزال أطماعهم وأيئسهم من إيمانهم.
المفردات :
فتح الله عليكم : بين لكم خاصة، أو حكم وقضى عليكم.
ليحاجوكم : ليخاصموكم ويقيمون عليكم الحجة.
عند ربكم : أي في كتاب ربكم وشرعه كما تقول : هو عند الله كذا، أي كتابه وشرعه.
التفسير :
٧٦- وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تفعلون.
وكان فريق من منافقيهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا مخادعين لهم آمنا بأنكم على الحق وأن محمدا هو النبي الذي جاء وصفه في التوراة.
وإذا خلا بعضهم إلى بعض عاتبهم الفريق الآخر على غفلتهم إذ تنزلق ألسنتهم في أثناء خداعهم للمؤمنين بعبارات تفيد خصومهم ولا يستدعيها الخداع، أتحدثونهم بما فتح الله عليم ؟ : أتخبرون المؤمنين بما فتح الله عليكم من أبواب العلم التي كتمناها عنهم كالبشارة بالنبي وعلاماته، وأخذ الميثاق على أنبيائهم بالإيمان به، وتبليغ أممهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه إن أدركوا. ليحاجوكم به عند ربكم : أي ليقيموا عليكم به الحجة في كتاب ربكم وشرعه.
وقيل المراد بقوله : عند ربكم. يوم القيامة، أي ليحاجوكم به يوم القيامة، توبيخا لكم، وزيادة في فضيحتكم على رؤوس الأشهاد ؟.
وهذا الرأي غير مقبول، فإنهم عالمون بأنهم محجوجون بما في كتابهم يوم القيامة، حدثوا به أو أخفوه، فلا وجه لتوبيخ إخوانهم على إظهاره للمؤمنين، إذا كان المراد بقوله : عند ربكم. يوم القيامة.
روى عن ابن عباس أن ناسا منهم أسلموا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين بما عذب به آباؤهم، فقالت لهم اليهود : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، أي بما حكم به عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أكرم على الله منكم ؟.
وقيل : إن عليا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف إليه وقال : يا رسول، لا تبلغ إليهم، وعرض له فقال : أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفوا عن ذلك، ونهض إليهم، فلما رأوه أمسكوا. فقال لهم :«أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة » فقالوا : ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا، من حدثك بهذا ؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا ( ٢٠٠ ).
والتعبير بالفتح في قولهم : بما فتح الله عليكم. للإيذان بأنه سر مكتوم وباب مغلق في وجه غيرهم فلا ينبغي أن يطلع عليهم سواهم.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير