الربيع، عن أبي العالية قال: يظنون الظنون بغير الحق.
١٣٨٠ - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: فَوَيْلٌ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (فويل). فقال بعضهم بما:-
١٣٨١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس (فويل)، يقول: فالعذاب عليهم. (١)
* * *
وقال آخرون بما:-
١٣٨٢ - حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن زياد بن فياض قال: سمعت أبا عياض يقول: الويل: ما يسيل من صديد في أصل جهنم. (٢)
١٣٨٣ - حدثنا بشر بن أبان الحطاب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض في قوله: (فويل)، قال: صهريج في أصل جهنم، يسيل فيه صديدهم. (٣)
(٢) الخبر: ١٣٨٢ - سفيان: هو الثوري. زياد بن فياض الخزاعي: ثقة، مات سنة ١٢٩. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ١ /٣٣٤، وابن أبي حاتم ١ / ٢ /٥٤٢. أبو عياض: هو عمرو بن الأسود العنسي، تابعي ثقة، كان من عباد أهل الشأم وزهادهم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٢٠ - ٢٢١.
(٣) الخبر: ١٣٨٣ - بشر بن أبان الحطاب، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة ولا ذكرا فيما بين يدى من المراجع.
١٣٨٤ - حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء قال، حدثنا سفيان عن زياد بن فياض، عن أبي عياض قال: الويل، واد من صديد في جهنم. (١)
١٣٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران، عن شقيق قال: (ويل)، ما يسيل من صديد في أصل جهنم.
* * *
وقال آخرون بما:-
١٣٨٦ - حدثنا به المثنى قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري. قال، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، عن رسول الله ﷺ قال:"الويل جبل في النار". (٢)
(٢) الحديث: ١٣٨٦ - هذا الإسناد مشكل. ووقع فيه هنا خطأ. من الناسخ أو الطابع، صححناه من الرواية الآتية: ١٣٩٥ فقد كان فيه"حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر"؛ وصوابه"عن عبد الحميد بن جعفر"، كما هو بديهي.
أما ما أشكل علينا فيه: فراويان لم نجد لهما ذكرا ولا ترجمة.
أحدهما:"إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري". وسيأتي في الإسناد الآخر"إبراهيم بن عبد السلام" فقط. ولم أستطع أن أعرف من هو؟ وقد نقل ابن كثير ١: ٢١٧ الحديث الآتي: ١٣٩٥، وأكمل نسب هذا الشيخ، ولكنه وقع فيه هكذا "إبراهيم بن عبد السلام، حدثنا صالح القشيري"! وأنا لست على ثقة من دقة التصحيح في طبعة تفسير ابن كثير، وأرى أن ما نسخة الطبري أقرب إلى الصحة.
الراوي الآخر:"على بن جرير". وقد أتعبنى أن أعرف من هو؟ مع البحث في كل المراجع، وتقليبه على كل الاحتمالات.
أما عبد الحميد بن جعفر: فإنه الأنصاري الأوسى المدني، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن سعد وغيرهما، مات سنة ١٥٣، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ /١٠. و"كنانة العدوي": هو كنافة ابن نعيم، وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ /٢٣٦، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ /١٦٩. ولكني أخشى أن لا يكون أدرك عثمان بن عفان، فإنهم لم يذكروا له رواية إلا عن أبي برزة الأسلمي وقصيبة بن المخارق، وهما متأخران كثيرا عن عثمان.
وأيا ما كان، فهذا الحديث لا أظنه مما يقوم إسناده. وهو مختصر من الحديث الآتي: ١٣٩٥. والحافظ ابن كثير حين ذكره عن الطبري، وصفه بأنه"غريب جدا". وقد ذكره السيوطي أيضًا ١: ٨٢، ولم ينسباه لغير الطبري. فالله أعلم.
١٣٨٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال:"ويل" واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ إلى قعره". (١)
* * *
قال أبو جعفر: فمعنى الآية - على ما روي عمن ذكرت قوله في تأويل (ويل) -: فالعذاب = الذي هو شرب صديد أهل جهنم في أسفل الجحيم = لليهود الذين يكتبون الباطل بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله.
* * *
والحديث رواه ابن أبي حاتم - كما نقل عنه ابن كثير ١: ٢١٧ - عن يونس بن عبد الأعلى، شيخ الطبري هنا، بهذا الإسناد.
ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ٥٩٦، من طريق بحر بن نصر. عن ابن وهب، بهذا الإسناد، بزيادة في آخره. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
ورواه أحمد في المسند: ١١٧٣٥ (ج ٣ ص ٧٥ حلبي)، عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به، بزيادة في آخره. وقال ابن كثير - عقب رواية ابن أبي حاتم: "ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى.. وقال هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. قلت [القائل ابن كثير] : لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى. ولكن الآفة ممن بعده! وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا - منكر"!
أقول: وابن كثير يريد بذلك جرح دراج أبي السمح، وجعله علة الحديث. والصحيح ما ذهبنا إليه. وقد رواه ابن حبان في صحيحه أيضًا. كما في الدر المنثور ١: ٨٢.
القول في تأويل قوله تعالى: لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا
قال أبو جعفر: يعني بذلك الذين حرفوا كتاب الله من يهود بني إسرائيل، وكتبوا كتابا على ما تأولوه من تأويلاتهم، مخالفا لما أنزل الله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، ثم باعوه من قوم لا علم لهم بها، ولا بما في التوراة، جهال بما في كتب الله - لطلب عرض من الدنيا خسيس، فقال الله لهم: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)، كما:-
١٣٨٨ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا)، قال: كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا.
١٣٨٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سِفلة جهال: هذا من عند الله"ليشتروا به ثمنا قليلا". قال: عرضا من عرض الدنيا.
١٣٩٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)، قال: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله، يحرفونه.
١٣٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: ثم يحرفونه.
١٣٩٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن قتادة: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) الآية، وهم اليهود.
١٣٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)، قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم، ليتأكلوا الناس، فقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله. (١)
١٣٩٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا)، قال: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا، فقال: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).
١٣٩٥ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام قال، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)، الويل: جبل في النار، وهو الذي أنزل في اليهود، لأنهم حرفوا التوراة، وزادوا فيها ما يحبون، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة. فلذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون). (٢)
١٣٩٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي
(٢) الحديث: ١٣٩٥ - مضى الكلام فيه مفصلا: ١٣٨٦.
أيوب، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار. قال: ويل، واد في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدة حره. (١)
* * *
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما وجه قوله: (٢) (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) ؟ وهل تكون الكتابة بغير اليد، حتى احتاج المخاطبون بهذه المخاطبة، إلى أن يخبروا عن هؤلاء - القوم الذين قص الله قصتهم - أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم؟
قيل له: إن الكتاب من بني آدم، وإن كان منهم باليد، فإنه قد يضاف الكتاب إلى غير كاتبه وغير المتولي رسم خطه فيقال: كتب فلان إلى فلان بكذا"، وإن كان المتولي كتابته بيده، غير المضاف إليه الكتاب، إذا كان الكاتب كتبه بأمر المضاف إليه الكتاب. فأعلم ربنا بقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) عباده المؤمنين، أن أحبار اليهود تلي كتابة الكذب والفرية على الله بأيديهم، على علم منهم وعمد للكذب على الله، ثم تنحله إلى أنه من عند الله وفي كتاب الله، (٣) تَكَذُّبا على الله وافتراء عليه. فنفى جل ثناؤه بقوله: (يكتبون الكتاب بأيديهم)، أن يكون ولي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علمائهم وأحبارهم. وذلك نظير قول القائل:"باعني فلان عينُه كذا وكذا، فاشترى فلان نفسه كذا"، يراد بإدخال"النفس والعين" في ذلك، نفي اللبس عن سامعه، أن يكون المتولي بيع ذلك أو شراءه، غير الموصوف له أمره، (٤)
ويوجب حقيقة الفعل للمخبر
(٢) في المطبوعة: "فما وجه فويل للذين.. "، كأنه سقط حرف من ناسخ أو طابع.
(٣) يقال: نحل فلان فلانا شعرا: نسبه إليه باطلا. وكره الطبري أن يقول ما لا يجوز لأحد في ذكر ربه سبحانه وتعالى، فانتهج طريقا في أساليب العربية، فقال: "فنحله إلى أنه من عند الله" أي نسبه باطلا إلى أنه من عند الله. ولم يعد الفعل إلى مفعوليه.
(٤) كان في المطبوعة: "أن يكون المتولى بيع ذلك وشراءه، غير الموصوف به بأمره" وهو كلام غير واضح ولا مفهوم، فآثرت أن أصححه ما استطعت.
عنه، فكذلك قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (فويل لهم مما كتبت أيديهم)، أي فالعذاب - في الوادي السائل من صديد أهل النار في أسفل جهنم - لهم، يعني: للذين يكتبون الكتاب، الذي وصفنا أمره، من يهود بني إسرائيل محرفا، ثم قالوا: هذا من عند الله، ابتغاء عرض من الدنيا به قليل ممن يبتاعه منهم.
* * *
وقوله: (مما كتبت أيديهم)، يقول: من الذي كتبت أيديهم من ذلك، وويل لهم أيضا (مما يكسبون)، يعني: مما يعملون من الخطايا، ويجترحون من الآثام، ويكسبون من الحرام، بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم، بخلاف ما أنزل الله، ثم يأكلون ثمنه، وقد باعوه ممن باعوه منهم على أنه من كتاب الله، كما:-
١٣٩٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: (وويل لهم مما يكسبون)، يعني: من الخطيئة.
١٣٩٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (فويل لهم)، يقول: فالعذاب عليهم. قال: يقول: من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، (وويل لهم مما يكسبون)، يقول: مما يأكلون به من السفلة وغيرهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأصل"الكسب": العمل. فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل، كما قال لبيد بن ربيعة:
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر