ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

قلت : بلى : حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن بلى لا يقع إلا في جواب النفي ويصير إثباتاً، تقول : ألم يأت زيد ؟ فتقول : بلى. أي : أتى، ومثله : قالوا لن تمسنا النار فقال تعالى : بلى أي تمسكم، بخلاف نعم ؛ فإنها لتقرير ما قبلها نفياً أو إثباتاً، فإذا قيل : ألم يأت زيد ؟ فقلت : نعم، أي لم يأت، وإذا قيل : هل أتى زيد فقلت : نعم، أي أتى. وقد نظم ذلك بعضهم فقال :

" نعَمْ " لتقرير الذي قبلها إثباتاً أو نفياً، كذا قرَّرُوا
" بلى " جواب النفي لكنه يصير إثباتاً، كذا حرَّرُوا
بَلَى تمسكم النار وتخلدون فيها ؛ لأن مَن كَسَبَ سَيِّئَةً أي : كفراً ومات عليه، وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ أي : أحدقت به، واستولت عليه، فأوْلَئِكَ أَصْحَابَ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : اعلم أن كثيراً من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويُطلقون عنان أنفسهم في المعاصي والشهوات، ويقولون : سمعنا من سيدي فلان يقول : مَن رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - لابنته :" يا فاطمةَ بنتَ مُحمَّد، لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شيئاً، اشترِيِ نفسك من الله ". وقال للذي قال : ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة فقال له :" أعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بكَثْرةِ السُّجُود ". نعم، هذه المقالة : إن صدرت من ولي متمكن مع الله فهي حق، لكن بشرط العمل ممن رآه بالمأمورات وترك المحرمات، فإن المأمول من فضل الله، ببركة أوليائه، أن يتقبل الله منه أحسن ما عمل، ويتجاوز عن سيئاته، فإن الأولياء المتمكنين اتخذوا عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده ؛ وهو أن من تعلق بهم وتمسك بالشريعة شفعوا فيه.
والغالب على مَن صَحِبَ أولياء الله المتمكنين - الحفظ وعدم الإصرار، فمن كان كذلك لا تمسه النار، وفي الحديث :" إذَا أحَبَّ اللّهُ عَبْداً لَمْ يضرُّه ذَنْب "، يعني : يُلهم التوبة سريعاً، كما قيل لأهل بدر :" افْعلُوا مَا شِئْتُم فَقَدْ غَفَرتْ لَكُم ". ولا يتخذ عند الله العهد إلا أهل الفناء والبقاء، لأنهم بالله فيما يقولون، فليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا عهد له ؛ لأنه بنفسه، فمن تعلّق بمثل هذا فهو على خطر، وبالله التوفيق.
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة ، من اقتنى حب الدنيا أحاطت به أشغالها وعلائقها، فهو في نار القطعية مقيم، أحاط به سرادق الهموم والأكدار، تلدغه عقارب الشكوك والأغيار، بخلاف من أشرفت عليه أنوار الإيمان، وصحب أهل الشهود والعيان، فإنه في روح وريحان وجنة ورضوان، متعنا الله بذلك في الدارين. آمين.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير