ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

قوله - عز وجل -:
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
الآية: (٨١) سورة البقرة.
بلى: رد للنفي، ونعم عدة وتصديق، ويقعان في الاستفهام والخبر، فبلى لا يكون إلا في النفي، أما في الاستفهام فنحو قوله (ألست بربكم قالوا بلى)، وأما في الخبر فنحو: هذا، وأما نعم ففي الاستفهام نحو: فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ، ويقال: أنا أحبك، بل نعم ولا يقال: بلى بوجه، وفي النفي إدا قيل ما عندي شي، فقلت بلى، فهو رد لكلامه، وإذا قلت: نعم فإقرار منك به، والسيئة الفعل القبيح القيود إليه في نفسه ولكونها قبيحة قوبلت بالحسنة في عاهة ما جاء في القرآن، نحو: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ الآية وقوله وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وقوله وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وقوله: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ والفرق بينها وبين الخطيئة أن السيئة قد يقال فيما يقصد إليه في نفسه، والخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصوداً إليه في. نفسه، بل يكون مقصودا إلى سببه كمن يرمي صيداً، فأصاب سهمه إنساناً أو شرب مسكراً، فجني على رجل جناية في سكره، ثم السبب في دلك سببان، سبب محظور فعله، كشرب المسكر، وسبب غير محظور،

صفحة رقم 243

فقيل في الأول الخطأ، وقد أخطأوا في الثاني خطأ، وقد خطى فهو خاطئ، وعلى هذا وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وقال: لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ، وفي استعارة الاحاطة أبلغ تشبيه، وذاك أن الإنسان إدا ارتكب ذنباً فلم يقلع عنه استجرت إلى معاودة مثله، ومعاودة مثله تجعل على قلبه غشاوة، فتجر به إلى ارتكاب أكبر منه، ثم ارتكابه لا هو أكبر منه يطبع على قلبه، فيشجعه على المداومة عليه، فيصير ذلك عليه حائطا يمنعه عن رؤية ما وراء، فيرى في مقابح الذنوب محاسن، فيتخبط في بلايا من دنياه ربما يراها نعماً، فيحسب أن لا وراء اللذات الدنيوية لذة ولا بعد التخصيص بقاء وورائها نعما فهذا معنى: (أحاطت به خطيئته)، وعلى ذلك دل قوله تعالى: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه، وقوله: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ، ووجه أخر روى عن السلف وهو إن كان عائداً إلي ما تقدم، فالنظر إليهما مختلف، وهو أن السيئة الكفر، وذلك عن مجاهد وأبي وائل والربيع، فبين تعالى أن من تحرى طريق الكفر، ثم استمر مريرة في ترك الإقلاع إما الترك النظر، وإماما الشرارة، وإماما لشهوة مستولية عليه حتى يصير ذلك كحائط عليه لا خروج له منه، فأولئك أصحاب النار، ومن قرأ (خطيئته)، فاعتبارا بالجنس، ومن قرأ (خطيئاته)، فاعتبارا بآحاد الذنوب وجعلهم أصحاب النار لملازمتهم في الدنيا ما يوجب لهم النار، وهي الآخرة لملازمتهم إياهما إذ كان الصاحب إنما يقال فيمن كثر ملازمته لغيره...

صفحة رقم 244

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية