ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

١٨- قال المفسرون : نزلت في المنافقين، كانوا يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخادعون المؤمنين بإظهار الإيمان من إثبات الكفر في نفوسهم ليعصموا دماؤهم وأموالهم فأخبر الله تعالى أن الخديعة إنما وقعت لأنفسهم، وهذا الاستثناء يتضمن أمرين مشكلين :
أحدهما : سلب الخديعة عن المؤمنين مع وقوعها حقيقة، والحقائق من خصائصها أنها لا يصح سلبها، وصحة السلب إنما هي من خصائص المجاز. فمن رأى أسدا وحشيا لا يقال فيه : " ما رأى أسدا " ومن قال : " رأيت أسدا "، وهو يريد : شجاعا من الرجال، يمكن سلبه فيقال : " ما رأى أسدا " بل رجلا.
وثانيهما : إثبات الخديعة لأنفسهم مع أنهم يخدعون أنفسهم.
والجواب : أن ما ذكره الأصوليين من تعذر سلب الحقيقة لغة صحيح غير أنه قد تقرر في علم البيان أن الشيء كما ينفى لنفي ذاته فإنه ينفى أيضا لنفي ثمرته والمقصود منه. كقوله تعالى : فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ١، فنفى أيمانهم مع أنهم قد خلفوا، لكن لما كان مقصود اليمين هو الوفاء بها ولم يحصل، صارت أيمانهم كالمعدومة مجازا. وكذلك : هدى للمتقين ٢، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ٣، ومفهومه يقتضي السلب من غير المذكور مع أن القرآن هداية وإرشاد لجميع الخلق كما قال تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكر للعالمين ٤.
وكذلك الخديعة لما كان المقصود منها حصول ضرر للمخدوع غالبا ولم يحصل للمؤمنين ضرر، بل هم مطلعون على أحوال المنافقين من قبل الله تعالى، وبما يجريه الله تعالى على ألسنة المنافقين مما يدل على نفاقهم، يحسن سلب الخديعة لسلب ثمرتها.
وأما إثباتها لأنفسهم فمجاز أيضا، لأن العرب كما تنفي الشيء لنفي ثمرته- وإن كان موجودا تثبته أيضا لثبوت ثمرته وإن كان مفقودا كما يقولون في النخيل : " إنه فقير لما كانت ثمرة الفقر حالة له.
ومنه قوله عليه السلام : " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " ٥ وهو ليس بكافر على الصحيح. بل عقوبة الكفر العظمى هي القتل، فلما كان يراق دمه سمي كافرا. ومنه تسمية الجد أبا والعم أبا لحصول مقصود الآباء فيهما، وهو كثير في الكتاب والسنة. ( الاستغناء في الاستثناء : ١٥٣-١٥٤ ).

١ - التوبة : آية ١٢..
٢ - البقرة : آية ٢..
٣ - ق : آية ٣٧..
٤ - الأنعام : آية ٩..
٥ - أخرجه مسلم في صحيحه، من كتاب "الإيمان". ح : ١٣٤. والترمذي في سننه :"كتاب الإيمان". الباب : ٩..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير