و يكفرون حال من الفاعل في قالوا ، و وراء في الأصل : مصدر جُعل ظرفاً، ويضاف إلى الفاعل ويراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه، ولذلك عد من الأضداد، قاله البيضاوي.
وَإِذَا قِيلَ لهؤلاء اليهود : آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللّهُ على محمد صلى الله عليه وسلم قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا من التوراة، وهم يَكْفُرُونَ بِمَا ورَاءَهُ أي : بما سواه، وهو القرآن، حال كونه مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ من التوراة ومهيمناً عليه. قُلْ لهم يا محمد : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْل هذا الزمان، وهو محرم عليكم في التوراة، إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ به ؟ فهذا يبطل دعواكم الإيمان بالتوراة ؛ إذ الإيمان بالكتاب يقتضي العمل به، وإلاَّ كان دعوى، وإن فعله أسلافكم فأنتم راضون به وعازمون عليه.
فنقول فيمن رضي بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل التربية : بئسما اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزل الله من الخصوصية على قلوب أوليائه بغياً وحسداً، أو جهلاً وسوء ظن، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباؤوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب، أو بغضب سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب. ( من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر ) كما قال الشاذلي رضي الله عنه، ولا يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله. وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان، وهما شجرة الذل والهوان.
وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله من أسرار الحقيقة وأنوار الطريقة، قالوا : نؤمن بما أنزل علينا من ظواهر الشريعة، ويكفرون بما وراءه من أسرار الحقيقة، ككشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وهو - أي : علم الحقيقة - الحق ؛ لأنه خالص لب الشريعة، ولله در صاحب المباحث الأصلية حيث قال :هل ظاهِرُ الشرع وعلمُ الباطِنْ إلا كجِسمٍ فيه رُوحٌ سَاكِنْ ؟
وقال أيضاً :
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول :( هل ثَمَّ شيءٌ غيرُ ما فهمناه من الكتاب والسنة ؟ )، كان يقول ذلك إذا قيل له : إن الشيخ الشاذلي فاض اليوم بعلوم وأسرار، فلما التقى بالشيخ وأخذ بيده، قال :( أي والله... ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تنهدم إلا الصوفية ). ويقال لمن ادعى التمسك بالشريعة وأنكر ما وراءها : فلم تشتغل بجمع الدنيا واحتكارها وتخاف من الفقر، وتهتم بأمر الرزق وتجزع من المصائب، والشريعة تنادي عليك بذم ذلك كله إن كنت مؤمناً ؟ ! ! وبالله التوفيق. ما مَثلُ المعقولِ والمنقولِ إلا كَدُرِّ زاخرٍ مَجْهُولِ حتى إذا أخْرَجَهُ الغِوَّاصُ لم يكُ لِلدُرِّ إذن خَلاصُ وإنما خَلاصُهُ في الكَشْفِ عن الغِطَاءِ حيثُ لا يسْتَخْفِي فَالصّدَفُ الظاهرُ ثم الدرُّ مَعْقولُه والجهلُ ذاك البحْرُ
الإشارة : اعلم أن قاعدة تفسير أهل الإشارة هي أن كل عتاب توجه لمن ترك طريق الإيمان، وأنكر على أهله يتوجه مثله لمن ترك طريق مقام الإحسان، وأنكر على أهله. وكل وعيد توعد به أهل الكفران يتوعد به مَن ترك السلوك لمقام الإحسان، غير أن عذاب أهل الكفر حسي بدني، وعذاب أهل الحجاب معنوي قلبي.
فنقول فيمن رضي بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل التربية : بئسما اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزل الله من الخصوصية على قلوب أوليائه بغياً وحسداً، أو جهلاً وسوء ظن، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباؤوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب، أو بغضب سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب. ( من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر ) كما قال الشاذلي رضي الله عنه، ولا يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله. وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان، وهما شجرة الذل والهوان.
وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله من أسرار الحقيقة وأنوار الطريقة، قالوا : نؤمن بما أنزل علينا من ظواهر الشريعة، ويكفرون بما وراءه من أسرار الحقيقة، ككشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وهو - أي : علم الحقيقة - الحق ؛ لأنه خالص لب الشريعة، ولله در صاحب المباحث الأصلية حيث قال :
| هل ظاهِرُ الشرع وعلمُ الباطِنْ | إلا كجِسمٍ فيه رُوحٌ سَاكِنْ ؟ |
| ما مَثلُ المعقولِ والمنقولِ | إلا كَدُرِّ زاخرٍ مَجْهُولِ |
| حتى إذا أخْرَجَهُ الغِوَّاصُ | لم يكُ لِلدُرِّ إذن خَلاصُ |
| وإنما خَلاصُهُ في الكَشْفِ | عن الغِطَاءِ حيثُ لا يسْتَخْفِي |
| فَالصّدَفُ الظاهرُ ثم الدرُّ | مَعْقولُه والجهلُ ذاك البحْرُ |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي