والعافية، ومن اعتقاد أن لا بعث ولا حساب ولا جزاء إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها من قديم الدهر.
وقرأ عبد الله وعلقمة والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير والكسائي (١): خَلْق بفتح الخاء وسكون اللام، والمعنى: أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا خلق الأولين؛ أي: اختلاقهم وكذبهم، فأنت على مناهجهم، أو ما خلقنا هذا إلا خلق الأمم الماضية، نحيا كحياتهم، ونموت كمماتهم، ولا بعث ولا معاد، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار. وقرأ أبو قلابة والأصعمي عن نافع بضم الخاء وسكون اللام، وتحتمل هذه القراءة ذينك الاحتمالين اللذين في خُلُقُ بضمتين.
١٣٨ - وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) على ما نحن عليه من الأعمال والعادات
١٣٩ - فَكَذَّبُوهُ؛ أي: كذبوا هودًا، وأصروا على تكذيبه ومخالفة أمره فَأَهْلَكْنَاهُمْ؛ أي: عادًا بسبب تكذيبهم بريح صرصر عاتية؛ ريح عظيمة ذات برد شديد، كما جاء في قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)، وقوله: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) تلخيصه: أن هودًا أنذر قومه وعظهم، فلم يتعظوا فأهلكوا.
إِنَّ فِي ذَلِكَ؛ أي: إن في إهلاكنا عادًا بتكذيبها رسولها لَآيَةً؛ أي: لعبرة وعظة لقومك - يا محمد - المكذبين بك فيما أتيتهم به من عند ربك وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ؛ أي: أكثر قوم عاد مُؤْمِنِينَ بالله وبرسولهم هود عليه السلام. أو: وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علمنا. أو: وما كان أكثر هؤلاء الذين سمعوا قصتهم من قوم محمد - ﷺ - مؤمنين
١٤٠ - وَإِنَّ رَبَّكَ يا محمد لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب المنتقم الشديد في انتقامه ممن يعمل عمل الجبارين، ولا يقبل موعظة واعظ ونصيحة ناصح. الرَّحِيمُ بأوليائه المؤمنين إن تابوا وأصلحوا.
وهذا تهديد لهذه الأمة كيلا يسلكوا مسالكهم (٢). قيل: خير ما أعطي الإنسان عقل يردعه، فإن لم يكن فحياء يمنعه، فإن لم يكن فخوف يقمعه، فإن
(٢) روح البيان.
لم يكن فمال يستره، فإن لم يكن فصاعقة تحرقه وتريح منه العباد والبلاد، كالأرض إذا استولى عليها الشوك فلا بد من نسفها وإحراقها بتسليط النار عليها، حتى تعود بيضاء، فعلى العاقل أن يعتبر ويخاف من عقوبة الله سبحانه، ويترك العادات والشهوات والملاهي والتلفازات، ولا يصر على المخالفات والمنهيات، وقد أهلك الله سبحانه قوم عاد مع شدة قوتهم وشوكتهم بأضعف الأشياء وهو الريح، فإنه إذا أراد يجعل الأضعف أقوى كالبعوضة، ففي الريح ضعف للأولياء، وقوة على الأعداء، ولأن للكمل معرفة تامة بشؤون الله تعالى، لم يزالوا مراقبين خائفين، كما أن الجهلاء ما زالوا غافلين آمنين، ولذا قامت عليهم الطامة في كل زمان - قوّانا الله وإياكم بحقائق اليقين، وجعلنا وإياكم من أهل المراقبة في كل حين -.
الإعراب
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩).
رَبِّ: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول قال إبراهيم. هَبْ: فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على الله. لِي: جار ومجرور متعلق به. حُكْمًا: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول قَالَ، على كونها جواب النداء. وَأَلْحِقْنِي: فعل دعاء وفاعل مستتر، ونون وقاية ومفعول به بِالصَّالِحِينَ: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة هَبْ لِي. وَاجْعَلْ: فعل دعاء، وفاعل مستتر معطوف على هَبْ لِي. لِي: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ اجعل. لِسَانَ صِدْقٍ: مفعول أول لـ اجعل، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. فِي الْآخِرِينَ: جار ومجرور صفة لـ لِسَانَ صِدْقٍ. وَاجْعَلْنِي: فعل وفاعل مستتر ونون وقاية، ومفعول به أول معطوف على هَبْ لِي. مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لموصوف محذوف وقع مفعولًا ثانيًا لجعل؛ أي: واجعلني
وارثًا من ورثة جنة النعيم. وَاغْفِرْ: فعل وفاعل مستتر معطوف على هَبْ. لِأَبِي: متعلق بـ اغفر. إِنَّهُ: ناصب واسمه. كَانَ: فعل ناقص، واسمها مستتر يعود على الأب. مِنَ الضَّالِّينَ: خبرها، وجملة كَانَ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل الغفران على كونها مقولًا لـ قَالَ. وَلَا: الواو: عاطفة. لَا: دعائية جازمة. تُخْزِنِي: فعل مضارع مجزوم بـ لَا الدعائية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهي الياء، وفاعله ضمير يعود على الله، و النون: للوقاية، و الياء: مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة هَبْ. يَوْمَ: منصوب على الظرفية متعلق بتـ تُخْزِنِي. يُبْعَثُونَ: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ يَوْمَ. يَوْمَ: في محل النصب على الظرفية بدل من يَوْمَ الأول. لَا يَنْفَعُ مَالٌ: فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه لـ يَوْمَ. وَلَا بَنُونَ: معطوف على مَالٌ مرفوع بالواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. إِلَّا: أداة استثناء، والمستثنى منه محذوف تقديره: يوم لا ينفع مال ولا بنون أحدًا. مَنْ: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء من المستثنى منه المحذوف المذكور. أَتَى اللَّهَ: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. بِقَلْبٍ: متعلق بـ أَتَى. سَلِيمٍ: صفة قلب، والجملة صلة الموصول.
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣).
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ: فعل ونائب فاعل. لِلْمُتَّقِينَ: متعلق به، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: لَا يَنْفَعُ. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ: فعل ونائب فاعل أيضًا معطوف على: لَا يَنْفَعُ مَالٌ. لِلْغَاوِينَ: متعلق به. وَقِيلَ: الواو: حالية، أو عاطفة. قيل: فعل ماض مغير الصيغة. لَهُمْ: متعلق به. أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ إلى قوله: فَكُبْكِبُوا فِيهَا: نائب فاعل محكي لـ قيل، وجملة قيل في محل النصب حال من الغاوين، ولكنها بتقدير قد. وإن شئت قلت: أَيْنَ اسم استفهام في محل النصب على الظرفية المكانية متعلق
بمحذوف خبر مقدم. مَا: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ قيل. كُنْتُمْ: فعل ناقص واسمه، وجملة تَعْبُدُونَ خبره، وجملة كان صلة لـ مَا الموصولة. مِنْ دُونِ اللَّهِ: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من واو تَعْبُدُونَ؛ أي: حالة كونكم مجاوزين الله في عبادتكم.
فائدة: واختلفت المصاحف في رسم مَا في أَيْنَ مَا موصولة بـ أَيْنَ، أو مفصولة عنها، والفصل أظهر هنا، فليست هذه كالتي في قوله: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ فهي زائدة، وترسم موصولة باتفاق، اهـ "كرخي". هَلْ: حرف للاستفهام التوبيخي. يَنْصُرُونَكُمْ: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ قيل أَوْ يَنْتَصِرُونَ: فعل وفاعل معطوف على يَنْصُرُونَكُمْ.
فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١).
فَكُبْكِبُوا: الفاء: عاطفة، كبكبوا: فعل ونائب فاعل معطوف على قيل. فِيهَا: متعلق به. هُمْ: تأكيد للضمير المرفوع في كبكبوا، ليصح العطف عليه. وَالْغَاوُونَ معطوف على الواو في كبكبوا، وسوغ العطف عليهما الفصل بالجار والمجرور، وبضمير التوكيد. وَجُنُودُ: معطوف على الواو أيضًا. إِبْلِيسَ: مضاف إليه مجرور بالفتحة للعلمية والعجمة. أَجْمَعُونَ: تأكيد للواو في كبكبوا وما عطف عليه. قَالُوا: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. وَهُمْ: مبتدأ. فِيهَا: متعلق بـ يَخْتَصِمُونَ، وجملة يَخْتَصِمُونَ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو قَالُوا. تَاللَّهِ: جار ومجرور، متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: نقسم تالله، وجملة القسم في محل النصب مقول قَالُوا. إن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، تقديره: تالله إنه. كُنَّا: فعل ناقص واسمه. لَفِي: اللام: حرف ابتداء. في ضلال: جار ومجرور خبر كان. مُبِينٍ: صفة
ضلال، وجملة كان في محل الرفع خبر إِن، وجملة إِن جواب القسم لا محل لها من الإعراب على كونها مقول قَالُوا إِذْ: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ كُنَّا. نُسَوِّيكُمْ: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر. بِرَبِّ الْعَالَمِينَ: جار ومجرور متعلق بـ نُسَوِّيكُمْ، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ إِذْ. وَمَا: الواو: عاطفة. مَا: نافية. أَضَلَّنَا: فعل ومفعول. إِلَّا: أداة استثناء مفرغ. الْمُجْرِمُونَ: فاعل، والجملة معطوفة على جملة القسم. فَمَا: الفاء: عاطفة، ما: نافية، لَنَا: خبر مقدم. مِنْ شَافِعِينَ: مبتدأ مؤخر، و مِن زائدة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة أَضَلَّنَا. وَلَا صَدِيقٍ: معطوف على شَافِعِينَ. حَمِيمٍ: صفة صَدِيقٍ.
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢).
فَلَوْ: الفاء: استئنافية، لو: حرف تمن بمعنى نتمنى نائب عن الفعل. أَنَّ: حرف نصب. لَنَا: خبر مقدم لـ أَنَّ كَرَّةً: اسمها مؤخر، وجملة أَنَّ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لفعل محذوف دلت عليه لو والتقدير: فنتمنى كون كرة لنا إلى الدنيا، ويجوز أن تكون لو شرطية، وجملة أَنَّ حينئذ في تأويل مصدر مرفوع على كونه فاعلًا لفعل محذوف بعد لو، تقديره: لو ثبت كون كرة لنا إلى الدنيا، والجملة المحذوفة فعل شرط لـ لو، وجوابها محذوف تقديره: فلو ثبت كون كرة لنا لفعلنا كيت وكيت، وجملة لو الشرطية مستأنفة. فَنَكُونَ: الفاء: عاطفة سببية إن قلنا: لو للتمني. نكون: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب التمني، واسمها ضمير مستتر فيها. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: جار ومجرور في محل النصب خبر نكون، وجملة نكون مع أن المضمرة في تأويل مصدر معطوف على مصدر متقيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: نتمنى كون كرة لنا إلى الدنيا فكوننا من المؤمنين.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
إِنَّ: حرف نصب. فِي ذَلِكَ: جار ومجرور خبر مقدم لَآيَةً: اسمها مؤخر، واللام حرف ابتداء، وجملة إِنَّ مستأنفة. وَمَا: الواو: عاطفة. مَا: نافية. كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة إِنَّ وَإِنَّ: الواو: عاطفة. إن ربك: ناصب واسمه. لَهُوَ: اللام: حرف ابتداء. هُوَ: ضمير فصل. الْعَزِيزُ: خبر إِنَّ. الرَّحِيمُ: خبر ثان لها، وجملة إِنَّ معطوفة على جملة إِنَّ الأولى.
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨).
كَذَّبَتْ: فعل ماض. قَوْمُ نُوحٍ: فاعل ومضاف إليه. الْمُرْسَلِينَ: مفعول به، والجملة مستأنفة. إِذْ: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ كَذَّبَتْ. قَالَ: فعل ماض. لَهُمْ: متعلق بـ قَالَ. أَخُوهُمْ: فاعل ومضاف إليه مرفوع بالواو. نُوحٌ: بدل من أَخُوهُمْ، أو عطف بيان منه، وجملة قَالَ في محل الجر مضاف إليه لـ إِذْ. أَلَا تَتَّقُونَ إلى قوله: قَالُوا: مقول محكي لـ قَالَ، وإن شئت قلت: أَلَا: أداة عرض. تَتَّقُونَ: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول قَالَ. إِنِّي: ناصب واسمه. لَكُمْ جار ومجرور حال من رَسُولٌ؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، رَسُولٌ: خبر إن. أَمِينٌ: صفة رَسُولٌ، وجملة إن في محل النصب مقول قَالَ على كونها معللة لعرضه عليهم الجنوح إلى التقوى. فَاتَّقُوا اللَّهَ: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أني رسول لكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم.. فأقول لكم. اتقوا: فعل وفاعل: اللَّهَ: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول قَالَ. وَأَطِيعُونِ: فعل أمر وفاعل ونون وقاية، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة فَاتَّقُوا اللَّهَ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠).
وَمَا أَسْأَلُكُمْ الواو: عاطفة. مَا: نافية. أَسْأَلُكُمْ: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على نُوحٌ ومفعول أول عَلَيْهِ: جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال من أَجْرٍ. مِنْ: زائدة. أَجْرٍ: مفعول ثان لسأل، والجملة في محل النصب. مقول قَالَ. إِن: نافية. أَجْرِيَ: مبتدأ ومضاف إليه. إِلَّا: أداة حصر. عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول قَالَ. فَاتَّقُوا اللَّهَ: الفاء: فاء الفصيحة. اتقوا الله: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة. وَأَطِيعُونِ: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول به محذوف، والجملة معطوفة على جملة فَاتَّقُوا اللَّهَ.
تنبيه: وقد صدرت القصص الخمس بالأمر بالتقوى؛ للدلالة على اتفاق الأديان السماوية على وجوب معرفة الحق واتباعه، وكررت الجملة نفسها تأكيدًا لهذه الغاية السامية كما مر.
قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥).
قَالُوا: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. أَنُؤْمِنُ الهمزة: للاستفهام الإنكاري. نؤمن: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على قوم نُوحٌ. لَكَ: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول قَالَ. وَاتَّبَعَكَ: الواو: حالية. اتبعك: فعل ومفعول به. الْأَرْذَلُونَ: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من كاف لَكَ، ولكنها على تقدير قد. قَالَ: فعل وفاعل مستتر يعود على نُوحٌ، والجملة مستأنفة. وَمَا: الواو: استئنافية. مَا: استفهامية في محل الرفع مبتدأ. عِلْمِي: خبرها ومضاف إليه. بِمَا: جار ومجرور متعلق بـ عِلْمِي، ويحتمل كون مَا نافية. عِلْمِي: مبتدأ ومضاف إليه. بِمَا: متعلق به، والخبر محذوف تقديره: وما
علمي بما كانوا يعملون حاصل، والجملة الاسمية في محل النصب مقول قَالَ. كَانُوا: فعل ناقص واسمه، وجملة يَعْمَلُونَ خبره، وجملة كان صلة لـ ما الموصولة. إن: نافية. حِسَابُهُمْ: مبتدأ. إِلَّا: أداة استثناء مفرغ. عَلَى رَبِّي: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب قول قَالَ. لَوْ: حرف امتناع وشرط. تَشْعُرُونَ: فعل وفاعل، ومفعول تَشْعُرُونَ محذوف، تقديره: ذلك، وجواب لَوْ محذوف، تقديره: ما عيرتموهم وما نسبتم إليهم شيئًا من نقص، وجملة لَوْ الشرطية في محل النصب مقول قَالَ. وَمَا: الواو: عاطفة. مَا: حجازية. أَنَا: اسمها. بِطَارِدِ الباء: زائدة، طارد المؤمنين: خبرها مجرور لفظًا منصوب محلًا. الْمُؤْمِنِينَ: مضاف إليه، والجملة معطوفة على ما قبلها على كونها مقول قَالَ. إن: نافية. أَنَا: مبتدأ. إِلَّا: أداة استثناء مفرغ. نَذِيرٌ: خبر. مُبِينٌ: صفة له، والجملة معطوفة على ما قبلها.
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦).
قَالُوا: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، لَئِنْ: اللام: موطئة للقسم، إن: حرف شرط. لَمْ: حرف جزم. تَنْتَهِ: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ لَمْ، والجملة في محل الجزم بـ إن الشرطية على كونها فعل شرط لها. يَا نُوحُ: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول قَالُوا على كونها معترضة. لَتَكُونَنَّ: اللام: موطئة للقسم مؤكدة للأولى، كررت لتدل على أن ما بعدها جواب القسم لا جواب الشرط. تكونن: فعل مضارع ناقص في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على نُوحُ. مِنَ الْمَرْجُومِينَ: جار ومجرور خبر تكونن، وجملة تكونن جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف في محل النصب مقول قَالُوا، وجواب الشرط محذوف جريًا على القاعدة المشهورة المذكورة في قول ابن مالك:
| وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ | جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ |
| قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ | فِيْ النَّاسِ أَحْيَاءُ |
وَلَا تُخْزِنِي من أخزى يخزي إخزاء أصله من الخزي بمعنى الهوان والذل، وقيّد عدم الإخزاء بيوم البعث؛ لأن الدنيا مظهر اسم الستار كما مر. صفحة رقم 278
مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ والقلب السليم: هو البعيد عن الكفر والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة.
أزلفت؛ أي: قرّبت الجنة لِلْمُتَّقِينَ عن الكفر والمعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ؛ أي: جعلت بارزة؛ أي: ظاهرة لِلْغَاوِينَ؛ أي: الضالين عن طريق الهدى.
أَوْ يَنْتَصِرُونَ وباب افتعل هاهنا مطاوع فعل، قال في "كشف الأسرار" النصر: المعونة على دفع الشر والسوء عن غيره، والانتصار أن يدفع عن نفسه.
فَكُبْكِبُوا فِيهَا والكبكبة: تكرير الكب؛ وهو الإلقاء على الوجه بتكرير معناه، كأن من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها، اهـ "بيضاوي". وفي "روح البيان": الكبكبة: تدهور الشيء في هوة؛ وهو تكرير الكب، وهو الطرح والإلقاء منكوسًا، وجعل تكرير اللفظ دليلًا على تكرير المعنى، كرر عين الكبّ بنقله إلى باب التفعيل، فأصل كبكبوا كبّبوا، فاستثقل اجتماع الباءات، فأبدلت الثانية كافًا، كما في زحزح، فإن أصله زحح من زحّه يزحّه؛ أي: نحا عن موضعه، ثم نقل إلى باب التفعيل، فقيل: زححه، فأبدلت الحاء الثانية زايًا، فقيل: زحزحه؛ أي: باعده، اهـ.
الْغَاوُونَ: اسم فاعل من غوى يغوى غواية إذا ضل عن طريق الهدى.
يَخْتَصِمُونَ؛ أي: يخاصمون من معهم من الأصنام والشياطين. فافتعل هنا بمعنى فاعل الذي للمشاركة.
إِلَّا الْمُجْرِمُونَ من الإجرام؛ وهو الإشراك، وأصل الجرم: قطع الثمرة عن الشجرة، والجرامة رديء الثمر، وأجرم إذا صار ذا جرم، نحو أثمر وألبن، واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه، ولا يكاد يقال في عامة كلامهم للكسب المحمود.
مِنْ شَافِعِينَ: جمع شافع من الشفاعة؛ وهو طلب الخير من الغير للغير.
وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١): من الصداقة، والصداقة: أن يفرح الشخص
لفرحك، ويحزن لحزنك، والعداوة على الضد من ذلك. والحميم: هو الذي يهمّه ما أهمّك؛ من الاحتمام؛ وهو الاهتمام، أو من الحامة؛ وهي الخاصة؛ وهو الصديق المشفق. والنفي هنا يحتمل نفي الصديق من أصله، أو نفي صفته فقط، والصديق يحتمل أن يكون مفردًا، وأن يكون مستعملًا في الجمع، كما يستعمل العدو فيه، كما يقال: هم صديق، وهم عدو، اهـ "كشاف". وفي "البيضاوي": جمع الشافع، ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الصديق، ولأن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدو؛ لأنه في الأصل مصدر كالحنين والصهيل، اهـ.
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ: تأنيث الفعل المسند إلى القوم باعتبار معناه، وهو الأمة والجماعة، وتذكير الضمير العائد إليه في قوله: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ باعتبار لفظه. وفي "البيضاوي": القوم مؤنث، ولذلك يصغر على قويمة". وفي "المصباح": "القوم يذكر ويؤنث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذلك كل اسم جمع لا واحد له من لفظه، نحو رهط ونفر"، اهـ. فقوله: مؤنث؛ أي: على الأغلب، لا أنه ذهب إلى أنه جمع قائم، والأصل تأنيثه، اهـ "شهاب".
أَخُوهُمْ؛ أي: أخوة نسب، كما يقال: يا أخا العرب، ويا أخا تميم، يريدون: يا من هو واحد منهم، قال الحماسي:
| لاَ يَسْأَلُوْنَ أَخَاهُمْ حِيْنَ يَنْدُبُهُمْ | فِيْ النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا |
لَوْ تَشْعُرُونَ: وهو من الباب الأول، وأما الشعر بمعنى النظم فهو من الباب الخامس.
وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤): من الطرد، وهو الإزعاج والإبعاد على سبيل صفحة رقم 280
الاستخفاف.
مِنَ الْمَرْجُومِينَ؛ أي: من المقتولين رجمًا بالحجارة، قال الراغب في "المفردات": الرجام الحجارة، والرجم الرمي بالرجام، يقال: رجم فهو مرجوم، قال تعالى: لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ؛ أي: المقتولين أقبح قتلة، انتهى.
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ؛ أي: أحكم بيننا، والفتح هنا من الفتاحة بمعنى الحكومة، والفتّاح الحاكم، سمي بذلك لفتحه مغاليق الأمور، ، كما سمي فيصلًا لفصله بين الخصومات. وفي "القاموس": الفُتاحة - بالضم والكسر - ويقال: بينهما فتاحات؛ أي: خصومات.
الْمَشْحُونِ؛ أي: المملوء بهم وبكل ما معهم، ومنه الشحناء؛ وهي عداوة امتلأت منها النفوس.
بِكُلِّ رِيعٍ الريع - بكسر الراء وفتحها -: جمع ريعة؛ وهو في اللغة المكان المرتفع، وقال أبو عبيدة: هو الطريق اهـ. "سمين". وقيل: هو الجبل. اهـ "مصباح" وفي "القاموس": والرِيع - بالكسر والفتح - المرتفع من الأرض، أو كل فجّ، أو كل طريق، أو الطريق المنفرج في الجبل، والجبل المرتفع، الواحدة بهاء، وبالكسر: الصومعة، وبرج الحمام، والتل العالي، وبالفتح: فضل كل شيء كريع العجين والدقيق والبذر. اهـ.
آيَةً الآية: العلم يهتدي به المارة، وكان بناؤها للعبث واللهو؛ لأنهم كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فلا يحتاجون إليها. وقيل: المراد بها القصور المشيدة، ترفعون بناءها وتجتمعون فيها، فتعبثون بمن يمر بكم.
تَعْبَثُونَ في "المصباح": عبث عبثًا - من باب تعب - إذا لعب وعمل ما لا فائدة فيه فهو عابث.
مَصَانِعَ: جمع مَصنعَةُ - بفتح الميم مع فتح النون، أو ضمها -؛ وهي الحوض أو البركة، فقوله: مَصَانِعَ؛ أي: حيضانًا وبُركًا تجمعون فيها الماء، فهي من قبيل الصهاريج. اهـ، شيخنا وفي "المختار": المَصنُعَة - بفتح الميم وضم
النون، أو فتحها - كالحوض يجمع فيه ماء المطر، والمصانع الحصون. اهـ. وفي "القاموس"، وشرحه "التاج": المَصنَعة والمَصنُعة - بفتح الميم وفتح النون وضمها -: ما يجمع فيه ماء المطر كالحوض، والجمع المصانع، والمصانع أيضًا القرى والحصون والقصور، والمصنعة أيضًا الدعوة للأكل، يقال: كنا في مصنعة فلان، وموضع يعزل النحل بعيدًا عن البيوت، وجميع هذه المعاني صالحة للتفسير بها. وقيل: مَصَانِعَ؛ أي: قصورًا مشيدة وحصونًا منيعة، أو مآخذ الماء تحت الأرض، كما في "الصحاح" و"القاموس".
وَإِذَا بَطَشْتُمْ البطش: السطوة والأخذ بعنف، وتناول الشيء بصولة أو قهرٍ أو غلبة.
جَبَّارِينَ والجبَّار: الذي يضرب ويقتل على الغضب، والجبّار أيضًا المتسلط العاتي بلا رأفة ولا شفقة.
وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ والإمداد: اتباع الثاني بما قبله شيئًا بعد شيء على انتظام، وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، والمدّ في المكروه، وأما قوله: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ فهو من مددت الدواة أمدها، لا من القبيل المذكور. اهـ "روح".
سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ والوعظ: زجر يقترن بتخويف، وكلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، والعظة والموعظة الاسم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التقديم في قوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) فقد استوعب الحكم أولًا، ثم طلب الإلحاق بالصالحين، والسر فيه دقيق جدًّا، ذلك أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية؛ لأنه يمكنه أن يعلم الحق وإن لم يعمل
به، وعكسه غير ممكن؛ لأن العلم صفة الروح، والعمل صفة البدن، وكما أن الروح أشرف من البدن كذلك العلم أفضل من الإصلاح.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ إذ المراد باللسان الثناء الحسن والقبول العام، وذكر اللسان مجاز علاقته السببية؛ لأنه سبب ذلك الثناء، فهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب. وقيل: هو مجاز من إطلاق الجزء على الكل؛ لأن الدعوة باللسان.
ومنها: إضافة الموصوف إلى الصفة في لسان صدق؛ أي: اللسان الصادق، والثناء الحسن، وإضافة المحل إلى الحال فيه في قوله: مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ؛ أي: الجنة التي هي محل النعيم الدائم.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ حيث استعار الورثة لمستحقي الجنة، شبَّه الجنة التي استحقها العامل بعد فناء عمله بالميراث الذي استحقه الوارث بعد فناء مورثه، فأطلق عليها اسم الميراث، وعلى استحقاقها اسم الوراثة، وعلى العامل اسم الوارث. اهـ "روح".
ومنها: المقابلة البديعة في قوله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) فإنه مقابل قوله في السعداء: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠).
ومنها: إضافة ما للكل إلى الجزء؛ لكونه رئيسه في قوله: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أضاف السلامة إلى القلب؛ لأن الجوارح تابعة للقلب، فتسلم بسلامته، وتفسد بفساده.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي عما في المستقبل في قوله: أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وفي قوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)، وقوله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)، وقوله: وَقِيلَ لَهُمْ، وقوله: فَكُبْكِبُوا فِيهَا، وقوله: قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦)؛ للدلالة على تحقق الوقوع وتقرره.
ومنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) للدلالة على استمرار انتفاء النفع ودوامه حسبما يقتضيه مقام التهويل والتفظيع.
ومنها: قوة اللفظ لقوة المعنى في قوله: فَكُبْكِبُوا فِيهَا وهذا مما انفرد في التنبيه إليه ابن جنّي في كتاب "الخصائص"، فإن الكبكبة تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد أخرى، حتى يستقر في قعرها، وليست الزيادة في اللفظ دالة على قوة المعنى بصورة مطردة، بل إن المدار في ذلك على الذوق، خذ لك مثالًا زيادة التصغير، فهي زيادة نقص، فرجيل أنقص من رجل في المعنى، ولكنه أكثر حروفًا منه.
ومنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) لاستحضار الصورة الماضية.
ومنها: الإيضاح في قوله: وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)؛ وهو أن يذكر المتكلم كلامًا في ظاهره لبس، ثم يوضحه في بقية كلامه، فإن الصديق الموصوف بصفة حميم هو الذي يفوق القرابة، ويربو عليه، وهو أن يكون حميمًا، فالحميم من الاحتمام؛ وهو الاهتمام؛ أي: صديق يهمه أمرنا ويهمنا أمره.
ومنها: التكرير في قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ للتأكيد والتقرير في النفوس مع كونه علق كل واحد منهما بسبب؛ وهو الأمانة في الأول، وقطع الطمع في الثاني، ونظيره قولك لولدك: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرًا، ألا تتقي في عقوقي وقد علمتك كبيرًا.
ومنها: إطلاق الكل وإرادة البعض في قوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) حيث عبّر بالمرسلين عن نوح عليه السلام، وكذا فيما بعده من الأنبياء، وإنما ذكره بصيغة الجمع تعظيمًا له، وتنبيهًا على أن من كذب رسولًا فقد كذب جميع المرسلين.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ.
ومنها الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا؛ أي: احكم بيننا وبينهم بحكمك العادل، استعار الفتّاح للحاكم، والفتح للحكم؛ لأنه
يفتح المنغلق من الأمر، ففيه استعارة تصريحية تبعية.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ومحل التوبيخ هو الجملة الحالية؛ أي: تعبثون.
ومنها: إعادة الفعل لزيادة التقرير في قوله: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) بعد قوله: أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ فإن التفصيل بعد الإجمال، والتفسير بعد الإبهام أدخل في ذلك، وأوقع في النفس. اهـ "أبو السعود".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١).
المناسبة
قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)... الآيات، مناسبة هذه القصة لما
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي