ﯡﯢﯣﯤ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٦:ت١٠٥
ثم إن كتاب الله عندما أراد أن يحكي مقالة الرسل إلى أقوامهم أتى بلفظ معبر له مغزى خاص في هذا المقام بالذات، فوصف الرسول بأنه " أخو قومه " كما في قوله تعالى : كذبت قوم نوح المرسلين، إذ قال لهم أخوهم نوح ، وقوله تعالى : كذبت عاد المرسلين، إذ قال لهم أخوهم هود ، وقوله تعالى : كذبت ثمود المرسلين، إذ قال لهم أخوهم صالح ، وقوله تعالى : كذبت قوم لوط المرسلين، إذ قال لهم أخوهم لوط . ذلك أن الحكمة الإلهية اقتضت بادئ ذي بدء أن يكون الرسل إلى عامة البشر بشرا مثلهم، يشاركونهم في المشاعر والأحاسيس، ويعايشونهم أفرادا وجماعات، ويلازمونهم ملازمة الظل للشاخص، وبذلك يحصل التفاهم والتجاوب بينهم وبين الناس، مصداقا لقول تعالى في سورة الأنعام : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون [ الآية : ٩ ]. وللمزيد من الألفة بين الرسل ومن أرسل إليهم اقتضت الحكمة الإلهية أن يتكلم بلسانهم، وأن يكون بالنسبة إلى قومه أخا من إخوانهم، إما أخا لهم عن طريق القرابة والنسب، وإما أخا لهم من باب المجانسة والأدب، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في آية أخرى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [ إبراهيم : ٤ ].
ولا شك أن تقديم كتاب الله لقصص الأنبياء السابقين، وتلاوة رسوله للآيات التي نزلت في شأنها على المومنين، وسماع أخبارها في فجر الإسلام من طرف المكذبين والكافرين مما يزيد المومنين إيمانا على إيمانهم، عندما يعرفون نجاة إخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان في سالف الأزمان، ومما يزعزع ثقة المكذبين والكافرين بمعتقداتهم الباطلة، عندما يعرفون المصير المفجع الذي آل إليه أمر المكذبين بالرسالات الإلهية، في القرون الماضية، عسى أن يذكروا ويعتبروا، ويتراجعوا عن باطلهم ويزدجروا. وإلى هذا المغزى يشير قوله تعالى على لسان شعيب عليه السلام فيما سبق من سورة هود : ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح، أو قوم ثمود، أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد [ الآية : ٨٩ ]، وقوله تعالى فيما سبق من سورة التوبة : ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [ الآية : ٧٠ ].
ومما يستلفت النظر، ويدل على وحدة الرسالات الإلهية، ووحدة الرسل الذين جاؤوا بها أن كتاب الله استعمل أسلوبا واحدا في حكاية ما خاطب به أولئك الرسل أقوامهم، على اختلاف أزمانهم وتعدد مواطنهم، إذ نجده يحكي عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب في هذه السورة أنهم جميعا عبروا عن نفس المعاني والمقاصد، واستعملوا نفس الطريقة في مخاطبة أقوامهم ودعوتهم إلى الإيمان بالرسالة التي جاؤوا بها من عند الله، إذ قال كل منهم مخاطبا لقومه : ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين وهذا الخطاب يوضح أن هدف الرسالات الإلهية الأساسي هو وضع حد لما يقع فيه الناس من الانحراف والاستهتار، وإيقاظ ضمائرهم للخروج من تيه الغفلة واللامبالاة وقفص الجحود والإنكار، حتى يقبلوا على إصلاح ما فسد، ويهتموا بترميم ما تداعى للسقوط، ويحيوا حياة إنسانية نظيفة، منسجمة مع إرادة الله، لا تجلب سخطه وإنما تجلب رضاه، وتتحقق بها في الأرض الخلافة عن الله، وهذا هو معنى " التقوى " الذي يدعو إليه كافة الأنبياء والرسل ألا تتقون ، إذ التقوى في معناه العام هو جعل النفس في " وقاية " مما يخاف منه ويؤذي، لتفادي جميع الأدواء والأسقام، والعيش في هناء وسعادة وسلام،



الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم
وأما قصة شعيب مع أصحاب الأيكة التي استغرقت خمس آيات في نهاية هذا الربع فسنتناولها في بداية الربع القادم إن شاء الله، لنأتي بها كاملة في سياق واحد، مع بيان ما فيها من العبر والفوائد، والله المستعان، وعليه التكلان.
ومن خلال الحوار الذي دار في هذه القصص بين الرسل وأقوامهم يتضح لكل ذي عينين ان الرسالات الإلهية منذ فجرها الأول لم تكن توجه الناس نحو السماء إلا لتلهمهم طريق الصلاح في الأرض، وان هدفها الأول والمباشر كان هو العمل على إصلاح المجتمع البشري أدبيا وماديا، والسعي لتطهيره من كل الشوائب، حتى لا يبقى فيه أثر للمساوئ والمعايب، وبذلك يتفادى الوقوع في الكوارث والنوائب، ويصبح مجتمعا مثاليا، جديرا بأن يوصف بكونه إنسانيا، لأنه ينهج نهجا أخلاقيا ربانيا، ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين [ فصلت : ٣٣ ].
في الآيات الخمس الأخيرة من الربع الماضي تحدث كتاب الله إلى خاتم أنبيائه ورسله عن قصة شعيب مع أصحاب الأيكة، وواصل الحديث عنها في الإحدى عشرة آية الأولى من هذا الربع. وعلى غرار ما سبقها من قصص نوح وهود وصالح ولوط افتتحها كتاب الله بنفس الأسلوب قائلا : كذب أصحاب الأيكة المرسلين
و( الأيكة ) واحدة ( الأيك ) وهو الشجر الملتف الكثير، ونص ابن كثير على أن أصحاب الأيكة إنما أطلق عليهم هذا اللقب، نسبة إلى شجرة مخصوصة كانوا يعبدونها، وورد لفظ " الأيكة " في هذه السورة وسورة ( ص ) بصيغة ( ليكة ) على وزن ليلة، حيث خففت همزة الأيكة وألقيت حركتها على اللام فسقطت الهمزة بالمرة، ولم تبق حاجة إلى ألف الوصل، وكتبت بالحذف تبعا للنطق المخفف بدلا من الأصل، وبذلك جاء قوله في سورة ( ص ) : كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد، وثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة، أولئك الأحزاب [ الآيتان : ١٢ ١٣ ]، بينما كتبت في سورة الحجر [ الآية : ٧٨ ] وسور ق [ الآية : ١٤ ] طبقا لأصلها الأول، وحسب نطقها العادي.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير