فإياك أن تظن أن الله تعالى خلقنا عبثاً، أو يتركنا هملاً، إنما خلقنا لمهمة في الكون، وجعلنا جميعاً عبيداً بالنسبة له سواء، فلم يُحَابِ من أحداً على أحد، وليس عنده سبحانه مراكز قوى؛ لذلك لم يتخذ صاحبه ولا ولداً.
ولأننا جميعاً أمامه سبحانه سواء وهو خالقنا، فقد تكفّل لنا بالرزق ورعاية المصالح، فَمنِ ابتلاه الله بالعجز عن الحركة فتحركْتَ أنت لقضاء مصالحه، لا بُدَّ ان ينظر الله إليك بعين البركة والمضاعفة.
فالمعوَّق والفقير بحقٍّ لا الذي يتخذها مهنة وحرفة يرتزق بها هذا الفقير وهذا المعوَّق هم خَلْق الله وأهل بلائه، فحين تعطيه من
ثمرة حركتك أنت، وتذهب إليه وهو مطمئن في بيته، أنت بهذا العمل إنما تستر على الله بلاءه، وتكون يد الله التي يرزق بها هؤلاء، وعندها لا بُدَّ أن يحبك الفقير، وأنْ يدعو لك بالخير والبركة والزيادة والأَجْر والعافية والثواب، ويعلم أن الله خلقه ولم يُسلمه.
أمّا إنْ ضَنَّ الغنيُّ الواجد على الفقير المعدَم، وتخلى عن أهل البلاء، فلا بُدَّ أنْ يسخط الفقير على الغني، بل يسخط على الله والعياذ بالله لأنه ما ذنبه أن يكون فقيراً، وغيره غنيٌّ في مجتمع لا يرحم.
وعجيب أن نرى مُبتليً يُظهر بلواه للناس، بل ويستغلها في ابتزازهم، فيُظهِر لهم إعاقته، كأنه يشكو الخالق للخَلْق، ولو أنه ستر على الله بلاءه وعَلِم أنه نعمة أنعم الله بها عليه لَسخَّر الله له عافية غير المبتلى، ولجاءه رزقه على باب بيته، فلو رَضِي أهل البلاء لأعطاهم الله على قَدْر ما ابتلاهم.
فمعنى: واتقوا الذي خَلَقَكُمْ [الشعراء: ١٨٤] أي: احذروا جبروته؛ لأنه خلقكم، وضمن لكم الأرزاق، وضمن لكم قضاء الحاجات، حتى العاجز عن الحركة سخَّر له القادر، وجعل للغنى شرطاً في إيمانه أنْ يُعطى جزءاً من سَعْيه للفقير، ويُوصِّله إليه وهو مطمئن.
ومعنى: والجبلة الأولين [الشعراء: ١٨٤] الجبلة من الجبَل، وكان له دور في حياة العربي، وعليه تدور الكثير من تعبيراتهم، ففيه صفات الفخامة والعظمة والرسوخ والثبات، فاشتقوا من الجبل (الجبلّة) وتعني الملازمة والثبات على الشيء.
ومن ذلك نقول: فلان مجبول على الخير يعني: ملازم له لا يفارقه، وفلان كالجبل لا تزحزحه الأحداث، والعامة تقول: فلان
جِبلَّة يعني: ثقيل على النفس، وقد يزيد فيقول: (مال جبلّتك وارمة) مبالغة في الوصف.
حتى أن بعض الشعراء يمدح ممدوحه بأنه ثابت كالجبل، حتى بعد موته، فيقول عن ممدوحه وقد حملوه في نعشه:
| مَا كنتُ أَحْسَبُ قَبْل نَعْشِكَ أنْ أَرَى | رَضْوى عَلَى أيدي الرجَالِ يَسِير |
ومن ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً [يس: ٦٢].
ومعنى: والجبلة الأولين [الشعراء: ١٨٤] أي: الناس السابقين الذين جُبِلوا على العناد وتكذيب الرسُل، فالله خالقكم وخلقهم، وقد رأيتُم ما فعل الله بهم لما كذَّبوا رسُله، لقد كتب الله النصر لرسله والهزيمة لمن كذّبهم، فهؤلاء الذين سبقوكم من الأمم جُبِلوا على التكذيب، وكانوا ثابتين عليه لم يُزحزحهم عن التكذيب شيء، فاحذروا أن تكونوا مثلهم فينزل بكم ما نزل بهم. فماذا كان ردّهم؟ صفحة رقم 10677
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي