المعنى الجملي : بعد أن ختم سبحانه هذا القصص، وبين ما دار بين الأنبياء وأقوامهم من الحجاج والجدل، وذكر أنه قد أهلك المكذبين، وكان النصر في العاقبة لرسله المتقين فإن سنته في كل صراع بين الحق والباطل أن تدول دولة الباطل وينتصر الحق، وإن طال الزمن : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ( الأنبياء : ١٨ ).
وفي ذلك سلوة لرسوله، وعدة له بأنه مهما أوذي من قومه ولقي منهم من الشدائد، فإن الفلج والفوز له : سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ( الأحزاب : ٦٢ ).
أردف هذا بيان أن هذا القرآن الذي جاء بذلك القصص وحي من الله أنزله على عبده ورسوله جبريل عليه السلام بلسان عربي مبين، لينذر به العصاة ويبشر به عباده المتقين، وأن ذكره في الكتب المتقدمة المأثورة عن الأنبياء الذين بشّروا به حتى قام آخرهم خطيبا في ملئه يبشر به كما قال : وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ( الصف : ٦ ) وأن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكره في كتبهم كما قال : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ( الأعراف : ١٥٧ ) وكما أن الأعجمين إذا قرئ عليهم لم يدروا منه شيئا ولم يؤمنوا به، كذلك هؤلاء المجرمون من قريش لا يؤمنون به كفرا وعنادا حتى يأتيهم عذاب الله بغتة وهم لا يشعرون، فيتمنون إذ ذاك النظرة ليطيعوا الله ويتبعوا أوامره، وأنّى لهم ذلك ؟ وهل يجديهم التمني ساعتئذ ؟ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا { غافر : ٨٥ ).
وقد جرت سنتنا ألا نهلك قوما إلا بعد أن نبعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين.
ثم رد على مشركي قريش الذين قالوا : إن لمحمد صلى الله عليه وسلم تابعا من الجن يخبره كما تخبر الكهنة بأن الشياطين من سجاياهم الفساد، وإضلال العباد، والقرآن فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبأنهم ممنوعون عن سماع ما تتكلم به الملائكة في السماء، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا مدة إنزال القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استراق السمع كما قال : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا( ٨ ) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ( الجن : ٨-٩ ).
ولما كان المشركون يقولون : إن محمدا كاهن وما يتنزل عليه من نوع ما تتنزل به الشياطين أكذبهم سبحانه بقوله : وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون .
الإيضاح : وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون أي وما نزلت الشياطين بالقرآن ليكون كهانة أو شعرا أو سحرا، وما ينبغي لهم أن ينزلوا به، وما يستطيعون ذلك وإن عالجوه بكل وسيلة، وإنهم عن سمع الملائكة لمحجوبون بالشهب.
والخلاصة : إن الشياطين لا تنزل به لوجوه ثلاثة :
١-إنه ليس من مبتغاهم، إذ من سجاياهم الإضلال والإفساد، والقرآن فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو هدى ونور وبرهان متين، فبينه وبين مقاصد الشياطين منافاة عظيمة.
٢-إنه لو انبغى لهم ما استطاعوا حمله وتأديته كما قال : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ( الحشر : ٢١ ).
٣-إنهم لو انبغى واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله.
تفسير المراغي
المراغي