ﭥﭦﭧﭨ

تمهيد :
بدأت سورة الشعراء بمقدمة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وحرصه على هداية قومه، مع إعراضهم عن سماع القرآن الكريم، وتكذيبهم للرسول الأمين، ثم ساقت السورة سبع قصص، لسبعة من رسل الله الكرام، دعوا أقوامهم إلى توحيد الله، وأنذروهم بطشه وشدة عذابه، لكن الكافرين لم يؤمنوا فاستحقوا العذاب، أي : وكذلك أهل مكة، أهل لأن ينالهم عذاب الله، بسبب تكذيبهم لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وفي نهاية القصص عود إلى الحديث عن القرآن الكريم، فهو وحي السماء، نزل به جبريل الأمين، على فؤاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون من الرسل المنذرين لقومهم، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، وتحدثت عنه التوراة والإنجيل، وبشر به موسى وعيسى، ولو نزل القرآن على رجل أعجمي، فقرأه عليهم بلغتهم، ما آمنوا مع هذه المعجزة البينة، لأن التكذيب قد استقر في قلوبهم، كما استقر في قلوب المجرمين المكذبين قبلهم.
٢١٠، ٢١١، ٢١٢- وما تنزلت به الشياطين*وما ينبغي لهم وما يستطيعون*إنهم عن السمع لمعزولون
أفاد القرآن فيما سبق أنه من عند الله رب العالمين، وقد نزل به الروح الأمين، وكانت العرب تدعى أن لمحمد صلى الله عليه وسلم تابعا من الجن يخبره بالقرآن، وهنا ردّ عليهم مبينا ضلال هذه الفكرة، فقال :
وما تنزلت به الشياطين* وما ينبغي لهم وما يستطيعون
فالشياطين لم تنزل بهذا القرآن، لأن طبيعة الشياطين شريرة عابثة، تدعو إلى الشر، وتحرض على الإثم، وهذا القرآن هداية ونور، ودعوة إلى الإيمان، ومكارم الأخلاق.
قال ابن كثير :
ذكر تعالى أنه يمتنع ذلك عليهم من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه ما ينبغي لهم، لأن سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه نور وهدى وبرهان عظيم.
الثاني : أنه لو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، وهذا من حفظ الله لكتابه، وتأييده لشرعه فهو أعلم حيث يجعل رسالته.
الثالث : أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، فلم يخلص أحد من الشياطين لاستماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر. اه.
إنهم عن السمع لمعزولون
أي : حفظ الله السماء من الشياطين، حيث كانوا يصفون بعضهم فوق بعض، وآخر جنّى يتسمع كلام الملائكة، مثل : قضى الليلة بموت فلان، أو بسعادة فلان، ثم ينزل فيخبر بها الكهان، ثم يكذب الكاهن معها مائة كذبة، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم شددت الحراسة على السماء، فمن حاول استماع أخبار السماء، أصابه شهاب فقتله أو خبله، وقد ورد هذا المعنى في سورة الجن، قال تعالى : وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا [ الجن : ٩ ].
وقال عز شأنه : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب*وحفظا من كل شيطان مارد*لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب*دحورا ولهم عذاب واصب*إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب [ الصافات : ٦-١٠ ].
قال النيسابوري :
إنهم عن السمع لمعزولون
وذلك بواسطة رجم الشهب، لما أخبر عنه الصادق، والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب، فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد صلى الله عليه وسلم يلعن الشياطين، ويأمر الناس بلعنهم، فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين، لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك. اه.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير