ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وبعد أن تكلم الحق عن القتال في سبيل نصرة دينه لم يحرم المؤمنين من توجيه يصفي أيضا حركة الحياة، لماذا ؟ لأنه علم أن قوما يؤمنون به وينضوون تحت لوائه صلى الله عليه وسلم فيوضح : انضواءكم أيها المؤمنون تحت لواء الإسلام له تبعات، فأنتم أول من ينطبق عليه حكم الله، وإياكم أن تظنوا أنكم بإيمانكم وإعلان إسلامكم لله واتباعكم لرسول الله قد اتخذتم شيئا يميزكم عن بقية خلق الله، فكما قلنا لكم دافعوا الكفار ودافعوا المنافقين نقول لكم أيضا : دافعوا أنفسكم لأن واحدا قد ينضم إلى الإسلام وبعد ذلك يظن أن الإسلام سيعطيه فرصة ليكون له تميز على غيره، ولمثل هذا الإنسان : نقول لا، ولذلك يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ويقول له : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) .
والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن نفسه يتكلم فيما يتعلق بالفعل بصفة التعظيم والجمع. مثال ذلك قوله " إنا أنزلنا " وهذه " نون الجماعة " حيث يتطلب إنزال القرآن قوى متعددة لا تتوافر إلا لمن له الملك في كل الكون ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى إننا نجد أن رئيس الدولة أو الملك في أي بلد يصدر قرارا فيقول :" نحن فلانا أصدرنا القرار " والملك أو الرئيس يعرف أنه ليس وحده الذي يصدر القرار، ولكن يصدره معه كل المتعاونين معه وكل العاملين تحت رئاسته، فما بالنا بالحق الأعلى سبحانه وتعالى ؟ لذلك فحين يتكلم سبحانه فيما يتعلق بالذات يكون الحديث بواسطة ضمير الأفراد فيقول :
إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري( ١٤ ) ( سورة طه ).
ولا يأتي هنا ضمير الجمع أبدا، ولا تأتي " نون التعظيم " ولكن في هذه الآية نجد الحق يقول :" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق " ونرى " نون التعظيم " واضحة، فالقرآن كلام الله، ونزول القرآن يتطلب صفات متعاضدة فسبحانه مرة يقول :
أنزلنا إليك الكتاب ( من الآية٤٧سورة العنكبوت )
ومرة يقول :
أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ( من الآية٥١سورة العنكبوت )
ومرة ثالثة يقول :
لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون( ١٠ ) ( سورة الأنبياء ).
ما الغاية من الإنزال ؟ الغاية من الإنزال أن يوجد على الأرض منهج يحكم حركة الحياة، والقرآن قد أنزل إلى الرسول وإلى من آمن بالرسالة وحين يقول الحق :" أنزلنا عليك " فمعنى ذلك نزول التكليف وساعة نسمع كلمة " أنزلنا " فعلينا أن نعرف أن كل شيء يجيء من الحق فهو ينزل إلينا منه سبحانه، وكلمة " أنزل " تشعر السامع أو القارئ لها أن الجهة التي أنزلت هي جهة أعلى، وليست مساوية لمن أنزل إليه، وليست أدنى منه أيضا.
وكلمة أنزلنا على أن جهة أنزلت وجهة أنزل إليها، وشيء أنزلته الجهة إلى المنزل إليه، والكتاب المنزل والذي أنزله هو الله، والمنزل إليه هو رسول الله وأمته، وهل أنزل الحق سبحانه الكتاب فقط أو أنزل قبل ذلك كل ما يتعلق بمقومات الحياة ؟
وعندما نقرأ هذا القول الكريم : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ( من الآية٢٦سورة الأعراف ).
إنه لباس جاء من أعلى لذلك استخدم الحق كلمة " أنزلنا " وهو ليس لباسا فقط ولكنه أيضا يزينكم مأخوذ من ريش الطائر لأنه لباسه وزينته فهو لا يواري العورة فحسب ولكنه جميل أيضا، والأجمل منه أنه لباس التقوى.
لقد جاء الحق بالمقوم للحياة سترا ورفاهية وبعد ذلك أنزل الحق لباس التقوى وهو الخير، فاللباس الأول يواري عورة مادية، ولباس التقوى يواري العورات القيمية المعنوية وكل ذلك إنزال من أعلى وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه :
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ( من الآية٢٥سورة الحديد ).
إذن فكلمة " الإنزال " تدل على أن كل ما جاء من قبل الحق الأعلى إلينا، فهو نازل إلينا بشيء يعالج مادتنا وقوامنا، وبشيء يعالج معنوياتنا وقيمنا.
ويقول الحق في الآية التي نحن بصدد تناولها الآن :" إنا أنزلنا إليك الكتاب " وحين يطلق الكتاب فالمعنى ينصرف إلى الكتاب الجامع المانع المهيمن على سائر الكتب وهو القرآن وإن كان " الكتاب " يطلق على المكتوب الذي نزل على أي رسول من الله سبحانه وتعالى.
" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق " والحق هو الشيء الثابت الذي لا يأتي واقع آخر لينقضه وعلى سبيل المثال : أنت في حياتك العادية حين تقول قضية صدق تحكي بها واقعا مهما تكررت روايتك لهذه التفاصيل مدة عشرين سنة فهي لا تتغير، لأنها مطابقة للواقع وأنت حين تقولها تستحضر الواقع الذي حدث أمامك ولكن إذا حدث إنسان بقضية كذب لا واقع له. فماذا يكون موقفه ؟ سيحكي القضية مرة بأسلوب وإن مر عليه أسبوع فهو ينسى بعضا مما قاله في أول مرة فيحكي وقائع أخرى ذلك أن ما يرويه ليس له واقع لذلك يقول كلاما مغايرا لما قاله في المرة الأولى وهنا يعرف السامع أن هذه المسألة كاذبة.
إذن فالحق هو الشيء الثابت الذي لا ينقضه واقع أبدا، وأنزل الله الكتاب بالحق أي أنزله بالقضايا الثابتة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها فهو ثابت لا ينقضه واقع.
ويقال في حياتنا للتلميذ الناجح من أساتذته : لقد أعطيناك المرتبة الأولى على زملائك بالحق أي أن هذا التلميذ قد أخذ حقه لأنه يستحق هذه المكانة وقوله الحق سبحانه :" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق " أي إن إنزال الكتاب على سيدنا رسول الله ليبلغه جاء ملتبسا ومرتبطا بالحق ولا ينفك عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل لأن ينزل عليه الكتاب. ووجود معنى بجانب معنى في القرآن هو من أسرار إشعاعات الكلمات القرآنية فهي لا تتناقض ولكنها توضع بحكمة الخالق لتجلو لنا المعاني.
إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس وهذا يوضح لنا أن حكومة الدين الإسلامي وعلى رأسها الحاكم الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جاء لا ليحكم بين المؤمنين به فقط بل ليحكم بين الناس ومن شرط الحكم بين الناس القيام بالعدل فيما يختصمون فيه، فلا يقولن واحد، هذا مسلم وذاك كافر فإذا كان الحق مع الكافر فلا بد أن تعطيه له، وإذا كان الحق مع المسلم فيجب أن تعطيه له، لأنك لا تحكم بين المؤمنين فقط ولكنك تحكم بين الناس.
وأنت إن حكمت بين الناس حكما يتفق مع منطق الواقع والحق، تجعل الذي حكم له يشهد أن دينك حق فعندما يكون الحق مع الكافر وتحكم على المؤمن بالحكم الحق الذي لا حيف فيه حتى وإن كان عقابا، فالكافر يقرع نفسه على أنه لم يكن من أهل هذا الدين الذي يعترف بالحق ويحكم به ولو كان على مسلم وأيضا يعرف المسلم ساعة يحكم عليه لصالح واحد غير مسلم أن المسألة ليست نسبة شكلية إلى الإسلام، ولكنها نسبة موضوعية فلا يظنن أحد أن الإسلام قد جاء ليحابي مسلما على أي إنسان آخر، ولكن الإسلام قد جاء ليأخذ الجميع بمنطق الحق، ويطبق على الجميع منهج الحق، وليكون المسلم دائما في جانب الحق.
وسبحانه وتعالى يعطي هذه القضية لواقعة حدثت معاصرة لرسول الله. والوقائع التي حدثت معاصرة لرسول الله كانت بمثابة استدرار السماء للأحكام، فالقضية تحدث وينزل فيها الحكم ولو جاءت الأحكام مبوبة وسقطت ونزلت مرة واحدة، فقد تحدث الحادثة ويكون لدى المؤمنين الحكم ويحاولون الحث عنه في الكتاب، لكن إذا ما جاء الحكم ساعة وقوع الحادثة فهو ينصب عليها، ويكون الأمر أدعى للإذعان له، لأنه ثبت وأيد ووثق بواقعة تطبيقية.
والحكم الذي نزل هو " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ". وعندما يقول سبحانه " أراك " أو " علمك " فلتعلم أن تعليم الله هو أكثر تصديقا من رؤيتك الإنسانية، وكأنك تتمثل الشيء الذي يعلمه لك الله وكأنه مجسد أمامك وليس مع العين أين.
والواقعة التي حدثت هي : كان في " بني ظفر " واحد اسمه " طعمة بن أبيرق " وسرق " طعمة " درعا، وهذا الدرع كان " لقتادة بن النعمان " وخاف " طعمة " أن يحتفظ بالدرع في بيته فيعرف الناس أنه سرق الدرع وكان طعمة فيما يبدو مشهورا بأنه لص، فذهب إلى يهودي وأودع عنده الدرع، وكان الدرع في جراب دقيق وحينما خرج به " طعمة " وحمله صار الدقيق ينتثر من خرق في الجراب وتكون من الدقيق أثرا في الأرض إلى بيت اليهودي وكان اسمه " زيد بن السمين "، وعندما تتبعوا أثر الدقيق وجدوه إلى بيت طعمة ولكنه حلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها وقالوا :" لقد سرق ابن السمين " وهنا قال ابن السمين :" أنا لم أسرق الدرع ولكن أودعه عندي " طعمة بن أبيرق " وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء " بنو ظفر " وهم مسلمون " وطعمة بن أبيرق " منهم وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو حكمت على المسلم ضد اليهودي فستكون المسألة ضد المسلمين وسيوجد العار بين المسلمين.
ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى أرسل رسوله ليعدل منهج الغرائز البشرية، والغريزة البشرية بحسب اندفاعها وقصر نظرتها قد تتصور أن الحكم على المسلم وتبرئة اليهودي هو إضعاف للمسلمين ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يقيم الأمر بالقسط فينزل على رسوله : إنا أنزلنا الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما( ١٠٥ ) سورة النساء ).
أي إياك أن تقول : إن هذا مسلم ولا يصح أن نلصق به الجريمة التي ارتكبها حتى لا تكون سبة عليه، وإياك أن تخشى ارتفاع رأس اليهودي لأن هناك لصا قد ظهر من بين المسلمين. ومن الشرف للإسلام أن يعاقب أي إنسان ارتكب خطأ لأنه مادام قد انتسب للإسلام فعليه أن يصون هذا الانتساب وعقاب المسلم على خطأ هو شهادة للإسلام على أنه لم يأت ليجامل مسلما وعلى كل مسلم أن يعرف أنه دخل الإسلام بحق الإسلام.
لقد نظر بعض السطحيين إلى قوله الحق :" ولا تكن للخائنين خصيما } قائلين : إن كان هناك لص أو خائن أو مستغل لقوته فاتركه ولا تنظر إليه ولا تلتفت حتى لا يسبب لك تعبا، ولهؤلاء نقول : لا، فسبحانه وتعالى يقول :" ولا تكن للخائنين خصيما " و " اللام " التي في أول " الخائنين " هي للملكية أي أن الحق يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقف موقفا لصالح الخائن، بل عليه أن يخاصم لمصلحة الحق.
وقد حاول العلماء أن يقربوا المسافة فقالوا : ربما لا يتنبه أحد لمسألة اللام وأنها هنا للنفعية فيكون المنهي عنه أن يقف مسلم موقفا ينفع خائنا، بل لا بد أن يكون على الخائن وليس معه، فاللام هنا تكون بمعنى " عن " كأن الحق يقول : ولا تكن عن الخائنين خصيما أي لا تكن يا محمد مدافعا عن الخائنين.
ولماذا لم يقل الحق " عن " بدلا من " اللام " نقول : إن الغاية من الدفاع عن الخصم أن ترجح أمره وتكون له لا عليه، لذلك جاء الحق ب " اللام " هنا من أجل أن نعرف الغاية من " عن " واضحة فاللام تفيد ألا ينفع المسلم خائنا، فلا تكون المسألة له، ولذلك جاء الحق بها إيضاحا واختصارا لنعرف أن رسوله لن يقف في جانب الخائن ولن يأتي له بما ينفعه ولذلك قال العلماء : إن اللام هنا بمعنى " عن ". والقرآن فيه الكثير من مثل هذا.
وبعض الناس يقول : لماذا لا يأتي باللفظ الواضح الذي يجعلنا نعرف المعنى مباشرة ؟ ونقول : إن الملحظية

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير