إذا تساويتم في الألم وزدتم عليهم في أن حصل لكم من الرجاء ما
لم يحصل لهم، وعرفتم كون الله عليمًا بما يفعلونه حكيمًا فيما
أمركم به فأمْرُكم إذًا أعلى، فيجب أن تكون قلوبكم أقوى.
والآية يقاربها قول الشاعر وإن كان هي أبلغ:
قاتلي القوم يا خُزاع ولا يَدْ... خُلْكُم من قتالهم فشلُ
القوم أمثالكم لهم شعر في الْـ... رأس لا ينشرون إن قتلوا
قوله تعالي: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)
قيل: نزل ذلك في أنصاري سرق درعًا لعمه، فاتهُم بها فَرُئِي
في دار يهودي فأوهم القوم أن اليهودي سرقها، فأعان قوم من
المسلمين هذا الأنصاري، فاعتمد النبي - ﷺ - قولهم، فأطلعه الله على الأمر، وعاتبه، وأمر بالاستغفار مما همّ به.
قال ابن بحر: يجوز أن تكون هذه الآية راجعة إلى قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا)
فبيّن أنهم مع إظهارهم الإِيمان بما أنزل على الأنبياء يصدّون عمّا
يُدعون إليه من حكم الكتاب.
قال: ومعنى (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) راجع إلى قوله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا)، فنهى عن حسن الظن بأمثالهم، ونهى في هذه الآية عن الدفع عنهم.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار