ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ

باب الفرائض


قال أبو بكر : قد كان أهل الجاهلية يتوارثون بشيئين : أحدهما النسب والآخر السبب، فأما ما يستحق بالنسب فلم يكونوا يورثون الصغارَ ولا الإناثَ وإنما يورثون من قاتل على الفَرَس وحاز الغنيمة، رُوي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير في آخرين منهم، إلى أن أَنزل الله تعالى : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن [ النساء : ١٢٧ ] إلى قوله تعالى : والمستضعفين من الولدان [ النساء : ١٢٧ ]، وأنزل الله تعالى قوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ . وقد كانوا مُقَرّين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه في الجاهلية في المناكحات والطلاق والميراث إلى أن نُقلوا عنه إلى غيره بالشريعة، قال ابن جريج : قلت لعطاء : أَبَلَغَكَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرَّ الناس على ما أدركهم صلى الله عليه وسلم من طلاق أو نكاح أو ميراث ؟ قال : لم يبلغنا إلا ذلك. ورَوَى حماد بن زيد عن ابن عون عن ابن سيرين قال :" توارث المهاجرون والأنصار بِنَسَبِهِم الذي كان في الجاهلية ". وقال ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال :" ما كان من نكاح أو طلاق في الجاهلية فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقَرَّهُ على ذلك إلا الرّبا، فما أدرك الإسلام من رِباً لم يُقْبضْ رُدَّ إلى البائع رأس ماله وطُرح الربا ". وروى حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير قال :" بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلى أن يؤمروا بشيء أو يُنْهَوْا عنه، وإلا فهم على ما كانوا عليه من أمر جاهليتهم "، وهو على ما رُوي عن ابن عباس أنه قال :" الحلال ما أَحَلَّ الله تعالى والحرام ما حَرَّمَ الله تعالى، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ ". فقد كانوا مُقَرّين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يحظره العقل على ما كانوا عليه، وقد كانت العرب متمسكة ببعض شرائع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقد كانوا أحدثوا أشياء منها ما يحظره العقل نحو الشِّرْكِ وعبادةِ الأوثان ودَفْنِ البنات وكثيرٍ من الأشياء المقبحة في العقول، وقد كانوا على أشياء من مكارم الأخلاق وكثير من المعاملات التي لا تحظرها العقول، فبعث الله نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم داعياً إلى التوحيد وتَرْكِ ما تحظره العقول من عبادة الأوثان ودَفْن البنات والسائبة والوَصِيلَة والحامي وما كانوا يتقربون به إلى أوثانهم، وتَرْكِهِمْ فيما لم يكن العقل يُحَظّره من المعاملات وعقود البياعات والمناكحات والطلاق والمواريث على ما كانوا عليه ؛ فكان ذلك جائزاً منهم، إذ ليس في العقل حظره ولم تقم حجة السمع عليهم بتحريمه، فكان أمر مواريثهم على ما كانوا عليه من توريث الذكور المقاتِلَةِ منهم دون الصغار ودون الإناث إلى أن أنزل الله تعالى آيَ المواريث. وكان السببُ الذي يتوارثون به شيئين، أحدهما : الحلف والمعاقدة، والآخر : التبنّي ؛ ثم جاء الإسلام فتُرِكُوا برهةً من الدهر على ما كانوا عليه ثم نُسخ، فمن الناس من يقول إنهم كانوا يتوارثون بالحلف والمعاقدة بنصّ التنزيل ثم نسخ، وقال شيبان عن قتادة في قوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] قال :" كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول دمي دمُك وهَدْمِي هَدْمُكَ وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك " قال :" فورثوا السدس في الإسلام من جميع الأموال ثم يأخذ أهل الميراث ميراثهم، ثم نسخ بعد ذلك فقال الله تعالى : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله [ الأنفال : ٧٥ ]. وروى الحسن بن عطية عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى : ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] :" كان الرجل في الجاهلية يحلف له الرجل فيكون تابعاً له، فإذا مات صار الميراث لأهله وأقاربه وبقي تابعه ليس له شيء، فأنزل الله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] فكان يعطى من ميراثه ". وقال عطاء عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] : وذلك أن الرجل في الجاهلية وفي الإسلام كان يرغب في خلّة الرجل فيعاقده فيقول : ترثني وأرِثُك، وأيهما مات قبل صاحبه كان للحيِّ ما اشترط من مال الميت، فلما نزلت هذه الآية في قسمة الميراث ولم يذكر أهل العقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله نزلت قسمة الميراث ولم يذكر أهل العقد وقد كنت عاقدت رجلاً فمات ؟ فنزلت : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيداً [ النساء : ٣٣ ].
فأخبر هؤلاء السلف أن ميراث الحليف قد كان حكمه ثابتاً في الإسلام من طريق السَّمْعِ لا من جهة إقرارهم على ما كانوا عليه من أمر الجاهلية. وقال بعضهم : لم يكن ذلك ثابتاً بالسمع من طريق الشرع وإنما كانوا مُقَرِّين على ما كانوا عليه من أمر الجاهلية إلى أن نزلت آية المواريث فأزالت ذلك الحكم ؛ حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبدالرحمن عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] قال :" كان حلفاء في الجاهلية فأُمروا أن يعطوهم نصيبهم من المشورة والعقل والنصر ولا ميراث لهم ". قال : وحدثنا أبو عبيد قال : حدثنا معاذ عن ابن عون عن عيسى بن الحارث عن عبدالله بن الزبير في قوله تعالى : وأولوا الأرحام بعضهم أوْلى ببعض [ الأنفال : ٧٥ ] قال :" نزلت هذه الآية في العَصَبَات، كان الرجل يعاقد الرجل يقول ترثني وأرثك، فنزلت : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض [ الأنفال : ٧٥ ] ". قال : وحدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبدالله بن صالح عن معاوية بن إبراهيم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] قال :" كان الرجل يقول ترثني وأرثك، فنسختها : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً [ الأنفال : ٧٥ ] " قال :" إلا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوهم وصية ".
فذكر هؤلاء أن ما كان من ذلك في الجاهلية نُسِخَ بقوله تعالى : وأولوا الأرحام [ الأنفال : ٧٥ ]، وأن قوله تعالى : فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] إنما أُرِيدَ به الوصية أو المشورة والنصر من غير ميراث ؛ وأوْلى الأشياء بمعنى الآية تثبيت التوارث بالحلف ؛ لأن قوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] يقتضي نصيباً ثابتاً لهم، والعقلُ والمشورةُ والوصيةُ ليست بنصيب ثابتٍ، وهو مثل قوله تعالى : للرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَللنِّسَاءِ نَصِيبٌ المفهوم من ظاهره إثباتُ نصيب من الميراث، كذلك قوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] قد اقتضى ظاهرُه إثباتَ نصيب لهم قد استحقوه بالمعاقدة ؛ والمشورةُ يستوي فيها سائر الناس فليست إذاً بنصيب، فالعقل إنما يجب على حلفائه وليس هو بنصيب له، والوصية إن لم تكن مستحَقّة واجبة فليست بنصيب ؛ فتأويل الآية على النصيب المسمَّى له في عقد المحالفة أوْلى وأشبه بمفهوم الخطاب مما قال الآخرون. وهذا عندنا ليس بمنسوخ، وإنما حدث وارثٌ آخر هو أوْلَى منهم كحدوث ابنٍ لمن له أخٌ لم يخرج الأخ من أن يكون من أهل الميراث، إلا أن الابن أوْلى منه، وكذلك أولو الأرحام أوْلى من الحليف، فإذا لم يكن رَحِمٌ ولا عَصَبَةٌ فالميراث لمن حالفه وجعله له ؛ وكذلك أجاز أصحابنا الوصية بجميع المال لمن لا وارث له.
وأما الميراثُ بالدعوة والتبنّي فإن الرجل منهم كان يتبنَّى ابْنَ غيره فيُنْسَبُ إليه دون أبيه من النسب ويَرِثُهُ، وقد كان ذلك حكماً ثابتاً في الإسلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم تبنَّى زيد بن حارثة وكان يقال له زيد بن محمد حتى أنزل الله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم [ الأحزاب : ٤٠ ]، وقال تعالى : فلما قضى زيد منها وطراً زَوَّجنَاكَها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [ الأحزاب : ٣٧ ]، وقال تعالى : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم [ الأحزاب : ٥ ]. وقد كان أبو حذيفة بن عتبة تبنَّى سالماً، فكان يقال له سالم بن أبي حذيفة، إلى أن أنزل الله تعالى : ادعوهم لآبائهم [ الأحزاب : ٤٠ ] ؛ رواه الزهري عن عروة عن عائشة ؛ فنسخ الله تعالى الدعوة بالتبنِّي ونسخ ميراثه. حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبدالله بن صالح عن ليث عن عقيل عن ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب في قوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] قال ابن المسيب :" إنما أنزل الله تعالى ذلك في الذين كانوا يتبنّون رجالاً ويورثونهم، فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب من الوصية ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعَصَبَة، وأبَى الله أن يجعل للمدَّعِينَ ميراثاً ممن ادّعاهم، ولكن جعل لهم نصيباً من الوصية، فكان ما تعاقدوا عليه في الميراث الذي ردّ عليه أمرهم ".
قال أبو بكر : وجائز أن يكون المراد بقوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [ النساء : ٣٣ ] منتظِماً للحلف والتبنّي جميعاً، إذ كل واحد منهما يثبت بالعقد ؛ فهذا الذي ذكرنا كان من مواريث الجاهلية وبقي في الإسلام بعضها بالإقرار عليه إلى أن نُقلوا عنه، وبعضه بنصٍّ ورد في إثباته إلى أن ورد ما أوجب نقله.
وأما مواريث الإسلام فإنها معقودة بشيئين : أحدهما نسب، والآخر سبب ليس بنسب ؛ فأما المستحق بالنسب فما نصَّ الله تعالى عليه في كتابه وبيَّن رسولُه صلى الله عليه وسلم بعضه وأجمعت الأمّة على بعضه وقامت الدلالة على بعض، وأما السبب الذي ورث به في الإسلام فبعضه ثابت وبعضه منسوخ الحكم. فمن الأسباب التي ورث بها في الإسلام ما ذكرنا في عقد المحالفة وميراث الأدعياء، وقد ذكرنا حكمه ونسخ ما رُوي نسخه وأن ذلك عندها ليس بنسخ وإنما جُعِلَ وارثٌ أوْلى من وارث.
وكان من الأسباب التي أوجب الله تعالى به الميراث الهجرة ؛ حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى : إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا [ الأنفال : ٧٢ ] قال :" كان المهاجر لا يتولّى الأعرابيَّ ولا يرثه وهو مؤمن، ولا يرثُ الأعرابيُّ المهاجر، فنسختها : وأولوا الأرحام بعضهم أوْلى ببعض [ الأنفال : ٧٥ ] ". وقال بعضهم :" نسخها قوله تعالى : ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون [ النساء : ٣٣ ]، وكانوا يتوارثون بالأُخُوَّةِ التي آخَى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ". ورَوَى هشام بن ع

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير