٣١٠- قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم : إن الولد يتناول الذكر والأنثى، ولفظ الابن يختص بالذكور، ولذلك قال الله تعالى : في أولادكم ولم يقل : في أبنائكم لتعم. ( نفسه : ٧/٢١ و ١٣/٣٠ )
٣١١- قال مالك : " ولا يدخل ولد البنات لعدم دخولهم في قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم " ١ وقال الشاعر :
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا*** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
ولأن العادة نسبتهم إلى نسب أبيهم دون أمهم.
وقال الشافعي وأحمد : لا يندرج في الولد إلا ولد الصلب، لأنه الحقيقة، وإطلاق الولد على غيره مجاز، ولذلك فإن بنت الابن إنما ورثت بالسنة دون قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم . ( نفسه : ٦/٣٥٢-٣٥٣ )
٣١٢- قال الأصحاب في قوله صلى الله عليه وسلم : " القاتل لا يرث " ٢ إنه خصص قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يتوارث أهل ملتين ". ٣ ( شرح التنقيح : ٢٠٧ )
٣١٣- إن الصحابة خصصوا قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم بما رواه الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " ٤. ( العقد المنظوم : ٢/٤٠٧ )
٣١٤- للذكر مثل حظ الأنثيين لأن عقله مثل عقليهما، وشهادته بشهادتهما، ودينه بدينهما، فله من الإرث مثلهما، وقيل : لأنه يتزوج فيعطي صداقا وهي تأخذ صداقا، فيزيد بقدر ما يعطي ويبقى له مثل ما أخذت فيستويان. ( الذخيرة : ١٣/٣٠ )
٣١٥- فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك : اعتبر ابن عباس ظاهر اللفظ فجعل الثلثين للثلاث من البنات، وللبنتين النصف. واختلف فيها على رأي الجمهور، فقيل : زائدة. وخطأه المحققون، فإن زيادة الظرف بعيدة، وقيل : اثنتين فما فوقهما، وهو خلاف الظاهر أيضا.
والصواب : أن الله تعالى نص على الزائد على الاثنتين في البنات ولم يذكر الابنتين. ونص على اثنتين في الأخوات ولم يذكر الزائد اكتفاء بآية البنات في الأخوات، وبآية الأخوات في البنات، لأن القرآن كالكلمة الواحدة يفسر بعضه بعضا، وعلم فرض البنتين بالحديث النبوي فاستقامة الظواهر وقامت الحجة لأن الله تعالى إذا جعل الثلثين للأختين فالبنتان أولى لقربهما، ولأن البنت تأخذ مع أخيها إذا انفرد الثلث، فأولى أن تأخذه مع أختها لأنها ذات فرض مثلها، والتسوية بين البنتين والأختين والأخت الواحدة في النصف خلاف القياس والحديث المتقدم٥. ( نفسه : ١٣/٣٠ )
٣١٦- إن للاثنتين الثلثين، لأن الذكر إذا كان مع ابنته له الثلثان، فجعل البنتين بمنزلة ذكر في بعض أحواله، فهو من باب ملاحظة ما تقدم من الحكمة في جعل الأنثى على النصف، والكثير من البنات سقط اعتباره في التأثير في الزيادة كالذكور إذا كثر عددهم اشتركوا في نصيب الواحد إذا انفرد فسوي بين البابين في الإلغاء. ( الذخيرة : ١٣/٣٠-٣١ )
٣١٧- فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنتي سعد ابن الربيع من أبيهما الثلثين٦، قال سحنون : وهو أول ميراث قسم في الإسلام. ( نفسه : ١٣/٢٩ )
٣١٨- خصص الصحابة عموم قوله تعالى : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك يخبر محمد بن مسلمة٧ والمغيرة بن شعبة٨ أنه صلى الله عليه وسلم جعل للجدة السدس٩، لأن المتوفاة إذا خلفت زوجا وبنتين وجدة، فللزوج : الربع، ثلاثة، وللبنتين : الثلثان، ثمانية، وللجدة : السدس، اثنان، عالت المسألة إلى ثلاثة عشر، وثمانية من ثلاثة عشر أقل من ثلثي التركة. ( العقد المنظوم : ٢/٤٠٧ )
٣١٩- قوله تعالى : وإن كانت واحدة فلها النصف لأن الذكر لو انفرد لكان له الكل، فهي إذا انفردت لها النصف على النصف منه في الأحكام كما تقدم. ( الذخيرة : ١٣/٣٠ )
٣٢٠- قال الشافعي : الجد كالأب لاندراجه في آية الميراث في قوله تعالى : ولأبويه لكل واحد منهما السدس . ( نفسه : ٧/١٥٨ )
٣٢١- سمى الأم أبا مجازا من باب التغليب، وهو في لسان العرب يقع إما لخفة اللفظ كالعمرين، فإن لفظ " عمر " أخف من لفظ أبي بكر، أو لفضل المعنى وخفته، نحو : " لنا قمراها والنجوم الطوالع ". فغلب لفظ القمر على الشمس لأنه مذكر والشمس مؤنثه، والمذكر أخف وأفضل. وإما لكراهة اللفظ لإشعاره بمكروه، نحو قول عائشة رضي الله عنها : " وما لنا عيش إلا الأسودان " ١٠ تريد : التمر والماء، والتمر أسود والماء أبيض، وكلاهما مذكر على وزن أفعل، فلا تفاوت، بل لفظ الأبيض يشعر بالبرص فغلبت الأسود عليه.
فهذه ثلاثة أسباب للتغليب في اللغة. ( نفسه : ١٣/٣١ )
٣٢٢- أعطي السدس للأبوين لأنه أدنى سهام الفرائض في القرابات، وكذلك في الخبر فيمن أوصي له بسهم من ماله، قال : يعطى السدس. والابن أقوى العصبات، ومقتضاه حرمان الأب، وبر الأب يقتضي عدم الحرمان، فاقتصر له على أقل السهام، وسويت الأم به لأنه من باب ملاحظة أصل البر لا من باب تحقيق المستحق. ( نفسه : ١٣/٣١ )
* قوله تعالى : وورثه أبواه فلأمه الثلث .
٣٢٣- معناه : والثلثان للأب، ولما كان ذكر الضد المقابل يدل على مقابله اكتفى بذكره عن ذكره. ( الفروق : ٣/٨ )
٣٢٤- محمول على ما إذا كان للأب الثلثان أو لا يكون أب فلا يبخس الأب. أما إذا كان فلم يتعرض له النص. فعيناه بالقواعد. ( الذخيرة : ١٣/٥٧ )
٣٢٥- لأنهما اجتمعا في درجة واحدة وهما ذكر وأنثى فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. ( الذخيرة : ١٣/٣٢ )
* قوله تعالى : فإن كان له إخوة فلأمه السدس :
٣٢٦- لم يذكر الأب وحجب بالإخوة لأن المال قبل نزول المواريث كان كله للعصبة، فلما قسم الله تعالى لكل واحد ما سماه بقي الأب على مقتضى الأصل، له ما بقي بعد السدس كالعام إذا خص. ويأخذ الأب ما عدا السدس لأنه أقرب عصبة من الإخوة، وحجبنا الإخوة إلى السدس لأن الأخ يدلي بالبنوة لأنه ابن أبيه. وقد تقدم أن شأن البنوة إسقاط الآباء والأمهات، وإنما يقتصر لهما على أدنى السهام ملاحظة لأصل بر الوالدين. فالتحقيق أنهم نزعوا من الأم، والأب نزع من الإخوة التي كانت الأم تأخذه معه، ولم يحجب الأخ الواحد ولا الأخت الواحدة، وإن حجب الولد الواحد لأن الولد الواحد ابن الميت، والأخ ابن أبيه، فهو أبعد رتبة فضوعفت الرتبة في البعد بواحد، كما نقصت الرتبة في القرب بواحد، فإن اجتمع ابنة وأخت فللبنت النصف وللأخت النصف، أما البنت فلأنها نصف ابن كما تقدم، وأما الأخت فلأنها ولد أبيه، فبالأب تستحق ذلك لأنه لو حضر كان له، ولأن العم ولد جده وهو يأخذه لو حضر، وهذه ولد أبيه فهي أقرب منه، ألا ترى أنها لو كانت أختا لأم لم تأخذ شيئا لهذا السر( نفسه : ١٣/٣٢ )
* قوله تعالى : من بعد وصية يوصي بها أو دين :
٣٢٧- جعل ملك الورثة بعد الدين. ( نفسه : ٧/٢٥٠ )
٣٢٨- الدين مقدم على الوصية إجماعا. ( نفسه : ٧/٩٨ )
٣٢٩- جعل الميراث متأخرا عن الدين والوصية، فانظر إنه قد تقدم مقادير وهي : النصف والثلثان والسدس والثلث، ومقدرات وهي : الأنصاب من الأموال، فهل المتأخر المقدار أو المقدر ؟ فإن كان المتأخر المقدار فيكون المعنى : للبنت النصف، وكونه نصفا إن تقدن على الدين زاد، أو تأخر نقص، فأخبر الله تعالى أن النصف المراد إنما هو النصف الذي يصغر بتأخيره عن إخراج الدين والوصية، ويكون أصل التمليك لم يتعرض له بالتأخير، أو أصل التمليك متأخرا عن الدين، فلا تكون التركة على ملك الورثة قبل وفاء الدين على هذا التقدير، وتكون على ملكهم على التقدير الأول، وهو أصل مختلف فيه بين العلماء.
لم قدم الوصية في اللفظ على الدين مع عدم وجوبها ووجوبه، والشأن تقديم الأعم ؟ الجواب : أن النفوس مجبولة على إهمال الوصية لعدم وجوبها في أصلها وعدم المعارضة، فقدمها الله تعالى ليشعر النفوس بميل صاحب الشرع لها، فيبعد إهمالهم لإخراجها، واستغنى الدين بقوة جناب المطالب به عن ذلك.
وقال لي بعض الفضلاء : إنما قدم الوصية لأنه أضاف إليه " بعد "، والميراث إنما يقسم بعدها لا بعد الدين، فإن الدين يخرج أولا ثم الميراث. فلما كان الميراث إنما يقع بعد الوصية لا بعد الدين لأنها المتأخرة في الإخراج جعل اللفظ على وفق الواقع، فقيل : من بعد وصية، ولو قال : من بعد دين أو وصية يوصي بها لكانت البعدية مضافة للدين وكان الدين يتأخر إخراجه عن الوصية وهو خلاف الإجماع.
قلت له : هذا يتم لو قال بالواو المقتضبة للجمع، وإنما الآية " بأو " المقتضبة أحدهما وحده. فعلى هذا ميت له وصية بغير دين وآخر له دين بغير وصية، فلم قدمت الوصية مع ضعفها مع أنها منفردة فيعود السؤال.
قال : تكون " أو " بمعنى الواو.
قلت : ينتقض المعنى نقضا شديدا، إن جعلنا " أو " بمعنى الواو يكون الميراث متأخرا عن مجموعهما لا عن أحدهما، ويلزم من ترجيح المجموع عليه ترجيح جزئه عليه، فلا يلزم التأخير عن الدين وحده. وإن جعلناها على بابها يكون الميراث متأخرا عن أحدهما ويلزم من تأخيره وترجيح أحدهما عليه ترجيح المجموع عليه ضرورة. فظهر أن المعنى مع الواو ينتقض نقضا شديدا فلا يصار إليه.
٣٣٠- تقديم الوصية على الميراث يدل على وجوب تنفيذها وصحتها. ( الذخيرة : ٧/٥ )
٢ - خرجه بهذا اللفظ ابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا، وخرجه مالك بلفظ :"ليس لقاتل شيء" قال الترمذي :"هذا حديث لا يصح ولا يعرف إلا من هذا الوجه". ن : سنن الترمذي، أبواب الفرائض، باب : ما جاء في إبطال ميراث القاتل.
سنن ابن ماجة، كتاب الديات، باب :"القاتل لا يرث". الموطأ، كتاب العقل، باب : ما جاء في ميراث القاتل..
٣ - خرجه بهذا اللفظ ابن ماجة والترمذي، وفي رواية عن أبي داود زيادة. ن – سنن ابن ماجة، كتاب الفرائض، باب : ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك. وسنن الترمذي، أبواب الفرائض، باب : لا يتوارث أهل ملتين. وسنن أبي داود، كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر..
٤ - أخرجه البخاري عن أبي بكر الصديق مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ :"لا نورث ما تركناه صدقة". ن : صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :"لا نورث ما تركناه صدقة". وخرجه مسلم بمثل لفظه عن عائشة رضي الله عنها، كتاب الجهاد والسير، الباب نفسه..
٥ - يقصد حديث أبي موسى الأشعري الذي سئل عن بنت وابنة ابن وأخت. فقال :"للبنت النصف، وللأخت النصف، وأتت بنت مسعود فإنه سيتابعني. فسئل ابن مسعود وأخبر يقول أبي موسى، فقال : قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. أقضي فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم : للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت". ن : الذخيرة ١٣/٢٨. والحديث خرجه البخاري في صحيحه : ٨/١٨٨..
٦ - أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن جابر قال :"جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال : يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: "اعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك". ن : تفسير ابن كثير : ١/٦٨٩. لباب النقول للسيوطي : ٥٣..
٧ - ورد هذا الخبر في العديد من الروايات، منها ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ :"جاءت الجدة لأم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فسألته ميراثها، فقال لها أبو بكر : مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر : هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة. فأنفذه لها أبو بكر... الحديث" ن : الموطأ : كتاب الفرائض، باب : ميراث الجدة.
ومحمد بن مسلمة هو : أبو سعيد بن عدي الأنصاري، شهد بدرا وأحدا وغيرهما من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبوك. وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة وبها مات (ت : ٤٣ هج) ن : أعلام النبلاء : ٢/٣٦٩. أسد الغابة : ٤/٣٣٦..
٨ - هو أبو عيسى أبو عبد الله المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أحد كبار الصحابة، أسلم عام الخندق، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان (ت : ٥٠ هج) ن : أسد الغابة : ٤/٤٧١..
٩ - أخرج هذا الخبر مالك في الموطإ كما تقدم وأبو داود في سننه : كتاب الفرائض، باب : ميراث الجدة. وابن ماجة في سننه : كتاب الفرائض، باب : ميراث الجدة. والترمذي في سننه : أبواب الفرائض، باب : ما جاء في ميراث الجدة..
١٠ - خرجه البخاري في كتاب الرقائق، ح : ٥٩٧٨. ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، ح : ٥٢٨٢. عن عروة قال :"... قلت : يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت : الأسودان، التمر والماء... الحديث"..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي