أمر الله تعالى فيما قبل هاتين الآيتين من أوائل السورة بإعطاء اليتامى والنساء أموالهم إلا من كان سفيها لا يحسن تثمير المال ولا حفظه، فيثمره له الولي ويحفظه له إلى أن يرشد، ونهى عن أكل أموالهم، وأبطل ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريثهم. فناسب بعد هذا أن يبين أحكام الميراث وفرائضه. فكان بيانه في هاتين الآيتين وآية في آخر السورة. فهذه هي الفرائض التي جرى عليها العمل بعد نزولها فبطل بها وبقوله ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ما كان من نظام التوارث في الجاهلية وفي أول الإسلام.
أما الجاهلية فكانت أسباب الإرث عندها ثلاثة ( أحدها ) النسب وهو خاص بالرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون الأعداء ويأخذون الغنائم ليس للضعيفين الطفل والمرأة منه شيء ( ثانيها ) التبني، فقد كان الرجل يتبنى ولد غيره فيرثه ويكون له غير ذلك من أحكام الدين الصحيح وقد أبطل الله التبني بآيات من سورة الأحزاب ونفذ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك بذلك العمل الشاق وهو التزوج بمطلقة زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه قبل الإسلام. ( ثالثها ) الحلف والعهد، كان الرجل يقول للرجل : دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك. فإذا تعاهدوا على ذلك فمات أحدهما قبل الآخر كان للحي ما اشترط من مال الميت. وقيل إن هذا لم يبطل إلا بآيات الميراث.
وأما الإسلام فقد جعل التوارث أولا بالهجرة والمؤاخاة فكان المهاجر يرث المهاجر البعيد، ولا يرثه غير المهاجر وإن كان قريبا، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يؤاخي بين الرجلين فيرث أحدهما الآخر، وقد نسخ هذا وذاك واستقر الأمر عند جميع المسلمين بعد نزول أحكام الفرائض أن أسباب الإرث ثلاثة النسب والصهر والولاء.
وحكمة ما كان في أول الإسلام ظاهرة فإن ذوي القربى والرحم للمسلمين كان أكثرهم مشركين وكان المسلمون لقلتهم وفقرهم محتاجين إلى التناصر والتكافل بينهم ولا سيما المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وترك ذو المال منهم ماله فيها.
وذهب كثير من العلماء إلى أن الوصية للوالدين والأقربين قد نسخت أيضا بآيات الميراث ولكنك ترى أن هاتين الآيتين المفصلتين لأحكام الإرث قد جعلتا الوصية مقدمة على الإرث وأكدت ذلك بتكراره عند كل نوع من أنواع الفرائض فيها، وترى أن الوصية للوالدين والأقربين في سورة البقرة مؤكدة تأكيدا ينافي النسخ، وتقدم ذلك في سورة البقرة ( راجع تفسير٢ : ١٨٢ ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ) [ البقرة : ١٨٢ ] - الآيات في ج ٢ تفسير ) وقد ذكر ذلك الأستاذ الإمام في الدرس، وأعاد ما قاله في تفسير تلك الآية فتركنا إعادته استغناء عنه بالإحالة عليه في محله.
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي في سننه وغيرهم من حديث جابر قال " جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت يا رسول هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال. فقال : يقضي الله في ذلك " فنزلت آية الميراث ( يوصيكم الله في أولادكم ) الآية فأرسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى عمها فقال " أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك " ١ أخرجوه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، قال الترمذي ولا يعرف إلا من حديثه٢ قال العلماء وهذه أول تركة قسمت في الإسلام.
قال الأستاذ الإمام : الخطاب في الآية عام موجه إلى جميع المكلفين في الأمة لأنهم هم الذين يقسمون التركة. وينفذون الوصية ولتكافل الأمة في الأمور العامة. وقال غيره : إن الآية وما بعدها تفصيل للإجمال في قوله ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) الآية، وقالوا إنه يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا حجة لهم فيها على هذا القول، إذا الظاهر أنها نزلت هي وما قبلها- ومنها تلك الآية المجملة- في وقت واحد. وما ذكر في سبب النزول لا يدل على التراخي والتأخير عن وقت الحاجة. ويجوز على فرض التأخر والتراخي أن تكون الآية الأولى أبطلت هضم حق المرأة والطفل لما فيه من الظلم والقسوة، ولم يكن المسلمون وقت نزولها قد كثروا وكثر أقاربهم منهم واستعدوا بذلك لنسخ أسباب الإرث الأولى الموقتة بأسباب الإرث الدائمة، فلما استعدوا لذلك نزل التفصيل بعد غزوة أحد كما في رواية جابر.
( يوصيكم الله ) من الإيصاء والاسم الوصية وهي كما أفهم من ذوق اللغة واستعمال أهلها في القديم والحديث أنها ما تعهد به إلى غيرك من العمل في المستقبل القريب أو البعيد يقولون يسافر فلان إلى بلد كذا وأوصيته أو وصيته بأن يحضر لي معه كذا ؛ ويقولون وصيت المعلم بأن يراقب آداب الصبي ويؤدبه على ما يسيء به. ولكنهم لا يقولون في طلب الشيء الحاضر أو العمل أوصيت ولا وصيت. وما كنت أظن أن هذا الحرف يحتاج إلى تفسير لولا أنني رأيت الرازي ينقل عن القفال أن الإيصاء بمعنى الإيصال، يقال وصى من الثلاثي بمعنى وصل يصل وأوصى يوصي بمعنى أوصل يوصل، وأن معنى الجملة في الآية يوصلكم الله إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم وعن الزجاج أن معناها يفرض عليكم. ثم رجعت إلى الراغب فرأيته يقول : الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ، من قولهم أرض واصية متصلة النبات. وهذا أظهر من القولين قبله ولكنه لم يرجعني عن فهمي الأول.
( في أولادكم ) أي في شأن أولادكم من بعدكم أو ميراثهم وما يستحقونه مما تتركونه من أموالكم سواء أكانوا ذكورا أم إناثا كبارا أم صغارا، واختلف العلماء في أولاد الأولاد فقالت الشافعية إنهم يدخلون في مفهوم الأولاد مجازا لا حقيقة. وقالت الحنفية إن لفظ الأولاد يتناولهم حقيقة إذا لم يكن للميت أولاد من صلبه. ولا خلاف بين المسلمين في قيام أولاد البنين مقام والديهم عند فقدهم وعدم إرثهم مع وجودهم لأن النسب للذكور كما قال الشاعر :
| بنونا بنو أبنائنا وبناتنا | بنوهن أبناء الرجال الأباعدِ٣ |
ونقل القرطبي الإجماع على أن الترجيح يعرف بالبول، فالعضو الذي يبول منه هو الذي يرجح ذكورته أو أنوثته.
( للذكر مثل حظ الأنثيين ) استئناف لبيان الوصية في إرث الأولاد وقدمه لأنه الأهم في بابه كما سيأتي بيانه، أي للذكر منهم مثل نصيب اثنتين من إناثهم إذا كانوا ذكورا وإناثا. قال الأستاذ الإمام : جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب واختير فيها هذا التعبير للإشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء كما تقدم، فكأنه جعل إرث الأنثى مقررا معروفا وأخبر بأن للذكر مثله مرتين أو جعله هو الأصل في التشريع وجعل إرث الذكر محمولا عليه ؛ يعرف بالإضافة إليه، ولولا ذلك لقال : للأنثى نصف حظ الذكر، وإذا لا يفيد هذا المعنى ولا يلتئم السياق بعده كما ترى، أقول : ويؤيد هذا ما تراه في بقية الفرائض في الآيتين من تقديم بيان ما للإناث بالمنطوق الصريح مطلقا أو مع مقابلته بما للذكور كما ترى في فرائض الوالدين والأخوات والإخوة وليس عندنا في هاتين الآيتين في الفرائض شيء عن الأستاذ الإمام غير بيان هذه النكتة وما تقدم من نكتة الخطاب في مجموع الأمة.
والحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين هي أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجه فكان له سهمان. وأما الأنثى فهي تنفق على نفسها فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها وبهذا الاعتبار يكون نصيب الأنثى من الإرث أكثر من نصيب الذكر في بعض الحالات بالنسبة إلى نفقاتهما.
وما ذكره بعض المفسرين في بيان الحكمة من نقص عقولهن وغلبة شهوتهن المفضية إلى الإنفاق في الوجوه المنكرة فهو قول منكر شنيع وضعف عقولهن لا يقتضي نقص نصيبهن بل ربما يقال إنه يقتضي زيادته كضعف أبدانهن لقلة حيلتهن في الكسب وعجزهن عن الكثير منه ولذلك روي عن بعض السلف أن الميراث جاء على خلاف القياس المعقول، وما أرى الرواية صحيحة كما أن معناها غير صحيح لما علمت من الحكمة التي بيناها. وأما ما يزعمون من كون شهوتهن أقوى من شهوة الرجال وما بنوه عليه من إفضائه إلى كثرة إنفاق المال فهو باطل بني على باطل وإننا نعلم بالاختبار أن الرجال هم الذين ينفقون الكثير من أموالهم في سبيل إرضاء شهواتهم وقلما نسمع أن امرأة أنفقت شيئا من مالها في مثل ذلك فهن يأخذن ولا يعطين والرجال هم الذين يبذلون لأنهم أقوى شهوة وأشد ضراوة. نعم إن النساء يملن إلى الإسراف في الزينة وهي تستلزم نفقات كثيرة، والشرع ينهى عن الإسراف فلا تكون أحكامه مبنية عليه، ولكن علم بالاختبار أنهن كثيرا ما يرجحن الاقتصاد إذا كان أمر النفقة موكولا إليهن فإن كانت من الوالد أو الزوج فلا يكاد إسرافهن يقف عند حد، ولهذا نرى بعض الرجال المقتصدين يكلون أمر النفقة في بيوتهم إلى أزواجهم فتقل النفقة ويتوفر منها ما لم يكن يتوفر من قبل.
قال المفسرون : ويدخل في عموم الأولاد من كان منهم كافرا ويخرج بالسنة إذ تبين فيها أن اختلاف الدين مانع من الإرث وهو ما عليه عمل المسلمين من الصدر الأول إلى الآن، وقد يقال : إن الكافر لا يدخل في هذا العموم لما علم من أن كفره قطع الصلة بينه وبين والده المؤمن كما علم من سورة هود المكية قال تعالى :( ونادى نوح ربه فقال رب أن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم ) [ هود : ٤٥-٤٦ ] فقد أخرجه من أهله بكفره على الوجه المشهور في الآية : فالمراد بالأولاد المؤمنون كما أن المخاطبين بها هم المؤمنون أو يقال إن لفظ " أولادكم " من العام الذي أريد به الخصوص ابتداء لا من العام الذي خصصته السنة.
وقالوا إنه يدخل في عمومها القاتل عمدا لأحد أبويه ويخرج بالسنة والإجماع وأقول : إن حرمانه من الإرث عقوبة مالية فيجوز أن يثبت بالسنة أو بالإجماع أن يعاقب أي مذنب بعقوبة مالية أو بدنية كما هو معهود في جميع شرائع الأمم أي أنه لا مانع منه عقلا ولا قبح فيه، فمنعه من الميراث هو فرع استحقاقه له فهو لا ينافي القرآن، وإذا قيل إنه ليس من باب التخصيص لعمومه لم يكن بعيدا إذ قال إن له حقه من الإرث بنص الآية ثم إن الشريعة عاقبته على قتله لوالده بحرمانه من حقه في تركته ليرتدع أمثاله وتعد ذريعة الفساد على الأشرار الطامعين الذين يستعجلون التمتع بما في أيدي والديهم فيقتلونهم لأجل ذلك ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
ويدخل فيه الرقيق أيضا والرق مانع من الإرث بالإجماع لأن المملوك لا يملك بل كل ما يصل إلى يده من المال يكون لسيده ومالكه فلو أعطيناه من التركة شيئا لكنا معطين ذلك لسيده فيكون السيد هو الوارث بالفعل، ولما كان الرق عارضا وخلاف الأصل ومرغوبا عنه في الشرع جعل كأنه غير موجود فهو بهذا الاعتبار لا ينافي عموم الآية وإطلاقها، ولا تعد منافاته للإرث خروجا من حكمها.
وأما الميراث من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقد قيل أنه لا يدخل في عموم الآية لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) لا يدخل في العموم الوارد على لسانه سواء كان من كلامه أو من كلام الله عز وجل المأمور هو بتبليغه، وقيل إنه يدخل فيه وإنه استثني من هذا العموم بحديث " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " ٥ وفي المسألة خلاف الشيعة، وقد فصل القول فيه السيد الآلوسي في روح المعاني فرأينا أن ننقل كلامه فيه بنصه قال :
" واستثنى من العموم الميراث من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بناء على القول بدخوله ( صلى الله عليه وسلم ) في العمومات الواردة على لسانه عليه الصلاة والسلام المتناولة له لغة والدليل على الاستثناء قوله ( صلى الله عليه وسلم ) " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " وأخذ الشيعة بالعموم وعدم الاستثناء وطعنوا بذلك على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حيث لم يورث الزهراء رضي الله تعالى عنها من تركة أبيها ( صلى الله عليه وسلم ) حتى قالت له بزعمهم : يا ابن أبي قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبي أي إنصاف هذا ! ؟ وقالوا إن الخبر لم يروه غيره وبتسليم أنه رواه غيره أيضا فهو غير متواتر بل آحاد ولا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رد خبر فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصا لقوله تعالى :" اسكنوهن " فقال كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بقول امرأة، فلو جاز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد لخصص به ولم يرده ولم يجعل كونه خبر امرأة مع مخالفته للكتاب مانعا من قبوله ؛ وأيضا العام وهو الكتاب قطعي، والخاص وهو خبر الآحاد ظني ؛ فيلزم ترك القطعي بالظني. وقالوا أيضا إن ما يدل على كذب الخبر قوله تعالى :( وورث سليمان داود ) [ النمل : ١٦ ] وقوله سبحانه حكاية عن زكريا عليه السلام ( هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ) [ مريم : ٥-٦ ] فإن ذلك صريح في أن الأنبياء يرثون ويورثون.
" والجواب أن هذا الخبر قد رواه أيضا حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وأبو الدرداء وأبو هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وقد أخرج البخاري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال بمحضر من الصحابة فيهم علي والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال :" لا نورث ما تركناه صدقة " ؟ قالوا اللهم نعم، ثم أقبل على علي والعباس فقال : أنشدكما بالله تعالى هل تعلمان أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد قال ذلك ؟ قالا اللهم نعم.
" فالقول
٢ - قال الترمذي فيه صدوق تكلم فيه من جهة حفظه، وروي عن البخاري أن احمد وإسحاق والحميدي كانوا يحتجون به، وصرح بعضهم بضعفه من جهة جودة الحفظ لا من حيث العدالة، فحديثه في مرتبة الحسن وبهذا صرح الذهبي (المؤلف)..
٣ - البيت من الطويل، وهو للفرزدق في خزانة الأدب ١/ ٤٤٤، وبلا نسبة في الإنصاف ١/٦٦، وأوضح المسالك ١/١٠٦، وتخليص الشواهد ص ١٩٨، والحيوان ١/ ٣٤٦، والدرر ٢/ ٢٤، وشرح الأشموني ١/٩٩، وشرح التصريح ١/ ١٧٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٨، وشرح ابن عقيل ص ١١٩، وشرح المفصل ١/٩٩، ٩/١٣٢، ومغني اللبيب ٢/ ٤٥٢، وهمع الهوامع ١/١٠٢..
٤ - اخرجه البخاري في الصلح باب ٩، وفضائل أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) باب٢، والفتن باب ٢٠، والمناقب باب ٢٥، وأبو دود في السنة باب ١٢، والمهدي باب ٨، والترمذي في المناقب باب ٣٠، والنسائي في الجمعة باب ٢٧..
٥ - روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الخمس باب١، وفضائل أصحاب النبي باب ١٢، والمغازي باب ١٤، ٣٨، والنفقات باب ٣، والفرائض باب ٣، والاعتصام باب٥، ومسلم في الجهاد حديث ٤٩- ٥٤، ٥٦ وأبو داود في الإمارة باب ١٩، والترمذي في السير باب ٤٤، والنسائي في الفيء باب٩، ١٦، ومالك في الكلام حديث ٢٧، وأحمد في المسند ١/٤، ٦، ٩، ١٠، ٢٥، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٦٠، ١٦٢، ١٦٤، ١٧٩، ١٩١، ٢٠٨- ٢/٤٦٣، ٦/١٥٤، ٢٦٢..
أمر الله تعالى فيما قبل هاتين الآيتين من أوائل السورة بإعطاء اليتامى والنساء أموالهم إلا من كان سفيها لا يحسن تثمير المال ولا حفظه، فيثمره له الولي ويحفظه له إلى أن يرشد، ونهى عن أكل أموالهم، وأبطل ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريثهم. فناسب بعد هذا أن يبين أحكام الميراث وفرائضه. فكان بيانه في هاتين الآيتين وآية في آخر السورة. فهذه هي الفرائض التي جرى عليها العمل بعد نزولها فبطل بها وبقوله ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ما كان من نظام التوارث في الجاهلية وفي أول الإسلام.
أما الجاهلية فكانت أسباب الإرث عندها ثلاثة ( أحدها ) النسب وهو خاص بالرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون الأعداء ويأخذون الغنائم ليس للضعيفين الطفل والمرأة منه شيء ( ثانيها ) التبني، فقد كان الرجل يتبنى ولد غيره فيرثه ويكون له غير ذلك من أحكام الدين الصحيح وقد أبطل الله التبني بآيات من سورة الأحزاب ونفذ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك بذلك العمل الشاق وهو التزوج بمطلقة زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه قبل الإسلام. ( ثالثها ) الحلف والعهد، كان الرجل يقول للرجل : دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك. فإذا تعاهدوا على ذلك فمات أحدهما قبل الآخر كان للحي ما اشترط من مال الميت. وقيل إن هذا لم يبطل إلا بآيات الميراث.
وأما الإسلام فقد جعل التوارث أولا بالهجرة والمؤاخاة فكان المهاجر يرث المهاجر البعيد، ولا يرثه غير المهاجر وإن كان قريبا، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يؤاخي بين الرجلين فيرث أحدهما الآخر، وقد نسخ هذا وذاك واستقر الأمر عند جميع المسلمين بعد نزول أحكام الفرائض أن أسباب الإرث ثلاثة النسب والصهر والولاء.
وحكمة ما كان في أول الإسلام ظاهرة فإن ذوي القربى والرحم للمسلمين كان أكثرهم مشركين وكان المسلمون لقلتهم وفقرهم محتاجين إلى التناصر والتكافل بينهم ولا سيما المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وترك ذو المال منهم ماله فيها.
وذهب كثير من العلماء إلى أن الوصية للوالدين والأقربين قد نسخت أيضا بآيات الميراث ولكنك ترى أن هاتين الآيتين المفصلتين لأحكام الإرث قد جعلتا الوصية مقدمة على الإرث وأكدت ذلك بتكراره عند كل نوع من أنواع الفرائض فيها، وترى أن الوصية للوالدين والأقربين في سورة البقرة مؤكدة تأكيدا ينافي النسخ، وتقدم ذلك في سورة البقرة ( راجع تفسير٢ : ١٨٢ ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ) [ البقرة : ١٨٢ ] - الآيات في ج ٢ تفسير ) وقد ذكر ذلك الأستاذ الإمام في الدرس، وأعاد ما قاله في تفسير تلك الآية فتركنا إعادته استغناء عنه بالإحالة عليه في محله.
تفسير المنار
رشيد رضا