١١ - قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ الآية. فقد ذكرنا معنى الإيصاء والتوصية في اللغة. ومعنى يُوصِيكُمُ ههنا: قال الزجاج: أي: يفرض (١) عليكم؛ لأن الوصية من الله عز وجل فرض، والدليل على ذلك: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام: ١٥١]، وهذا من الفرض المحكم علينا (٢).
وقوله تعالى: فِي أَوْلَادِكُمْ، اسم الولد يقع على ولد الصلب وعلى ولد الولد وإن سَفَل (٣)، ثم ثبتت على هذا ميراث ولد الولد بهذه الآية (٤).
فإن قيل: بماذا يتعلق قوله: يُوصِيكُمُ، ولا يقال في الكلام: أوصيك لزيد كذا؟ والجواب ما قال الفراء، وهو أن الوصية قول، فمعنى قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ (٥): يقول الله لكم، وعلى هذا أيضًا: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ [المائدة: ٩]، أي: قال الله لهم مغفرة؛ لأن الوعد قول (٦).
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ١٨، وانظر: "غرائب التفسير" ١/ ٢٨٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ أ، "المحرر الوجيز" ٣/ ٥١١، "الفتوحات الإلهية" ١/ ٣٦٠.
(٣) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٣، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٥٩، وبعض العلماء يفرق فيقول: إنه حقيقةٌ في ولد الصلب مجازٌ في غيره، وبعضهم لا يفرق. وعقب القرطبي -رحمه الله- على مثل ذلك بقوله: ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه.
(٤) قوله: (ثم ثبتت)، وفي هذه الجملة اضطراب أو سقط.
(٥) في (د) زيادة: (في أولادكم).
(٦) لم أقف على رأي الفراء هذا في "معاني القرآن"، وقد أشار إليه أبو حيان في "البحر" ٣/ ١٨١، والسمين في "الدر المصون" ٣/ ٣٥٦.
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وقال الكسائي: قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بيان لما أوصى به وحكاية له، لأن الذي أوصاهم به هو هذا، ومثله قوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة: ٩] ثم ذكر ما وعدهم فقال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ولهم مغفرة هو الذي وعدهم به، وكذلك قوله: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ [يوسف: ٣٥].
ويقول: بدا لي أن لعبد الله مالًا، فإذا (ألقيت) (١) أن قلت: بدا لي لعبد الله مالٌ (٢)، وأنشد الكسائي على ذلك:
| إني سأُبدِي لك فيما أُبدي | لي شجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ (٣) |
(٢) لم أقف على قول الكسائي مفصلًا، وقد أشار إليه أبو حيان في "البحر" ٣/ ١٨١. انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٠، "الدر المصون" ٣/ ٥٩٧.
(٣) هذا البيت من الرجز، ولم أعرف قائله، وهو من شواهد "معجم مقاييس اللغة" ٣/ ٢٤٩ (شجن)، "الصحاح" ٥/ ٢١٤٢ (سجن)، "اللسان" ٤/ ٢٢٠٢ (شجن)، والشجن: الحاجة. ولعل الشاهد منه أن: شجن بنجد تفسير وبيان لـ: لي شجنان، حيث جاء في "الصحاح"، "اللسان" بعد هذا: وشجن لي في بلاد السند، لكن في "اللسان": الهند بدل السند. والله أعلم.
(٤) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فإن كان، انظر: الطبري ٤/ ٢٧٦، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٣٩، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩١.
(٥) انظر: "الطبري" ٤/ ٢٧٦، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٥١ (ولد)، "المحرر الوجيز" ٣/ ٥١٢.
وأراد تبيين حال الإناث كنى عنهن بكناية جمع أسمائهن في الأولاد، وتقديره: الأولاد إن كن نساء فوت اثنتين فلهن ثلثا ما ترك (١).
واجتمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين (٢)، إلا ما روي عن ابن عباس أنه ذهب إلى ظاهر الآية، وقال: الثلثان فرض الثلاث من البنات؛ لأن الله تعالى قال: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ (٣):
(٢) انظر "الإجماع" لابن المنذر ص ٣٢، "المغني" لابن قدامة ٩/ ١١، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" ٣١/ ٣٥٠. هذا؛ وقد تعقب القرطبي الإجماع في هذه المسألة لخلاف ابن عباس منها. انظر "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٦٣، لكن العلماء الذين حكوا الإجماع حكموا على ما روي عن ابن عباس بالشذوذ كما في "المغني"، "الفتاوى".
(٣) لم أقف على من خرجه، لكنه قول مشتهر عن ابن عباس وصححه عنه النحاس في: "إعراب القرآن" ١/ ٤٣٩، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٦٣، وانظر: "تفسير الماوردي" ١/ ٤٥٨، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٦، "المغني" ٩/ ١١، "مجمع الفتاوى" ٣١/ ٣٥٠، "أضواء البيان" ١/ ٣٧٢، "التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية" للدكتور صالح الفوزان ص ٧٨. وقد قال الفوزان: وقيل: المشهور عنه مثل قول الجمهور.
فجعل الثلثين للنساء إذا زده (١) على الثلثين (٢)، وعنده أن فرض البنتين النصف كفرض الواحدة
وهذا غير مأخوذ به (٣).
ووجه الآية أن (فوق) ههنا صلة لا معنى له، أراد: فإن كن نساء اثنتين، كقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ [الأنفال: ١٢]، يريد: فاضربوا الأعناق (٤) وسمى البنتين نساء، لأن الابنين جماعة عند العرب. ونبين ذلك في آخر الآية (٥).
وقال أكثر المفسرين: إنما أعطينا البنتين الثلثين بتأويل القرآن لا بنص فرض، وذلك أن الله تعالى [جعل للبنت الواحدة النصف في قوله: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ، وجعل للأخت الواحدة النصف أيضًا في قوله: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء: ١٧٦]، ثم جعل للأختين الثلثين، علمنا أن للبنتين] (٦) الثلثين قياسًا على الأختين، كما
(٢) هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن الصواب: الثنتين.
(٣) انظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي ٢/ ١٤٠ - ١٤١، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٦، "المغني" ٩/ ١١، "مجموع الفتاوى" ٣١/ ٣٥٠، "أضواء البيان" ١/ ٣٧٢، "التحقيقات المرضية" ص ٨٢، ٨٣.
(٤) هذا قول في إعراب الآية، لكن خطَّأه النحاس بقوله: وهو خطأ؛ لأن الظروف ليست مما يزاد لغير معنى "إعراب القرآن" ١/ ٣٤٩، كما ضعفه الكيا الهراسي في "أحكام القرآن" ٢/ ١٤٤، وابن عطية في "المحرر" ٣/ ٥١٣، وابن كثير في "تفسيره" ١/ ٤٩٨. قال ابن كثير: وهذا غير مسلم، لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع. وقد تقدم مثل ذلك.
(٥) انظر ص ٣٦١.
(٦) يحتمل أن في الكلام سقطًا، واستقامته: وذلك أن الله تعالى لما جعل للبنت الواحدة.. علمنا أن لبنتين فسقطت لما من الكلام قبل جعل.
أن للأخوات الثلثين بما نص في البنات في قوله: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً الآية (١)
وحرر الحسن بن يحيى (٢) هذا الفصل فقال: (إن الله تعالى) (٣) أمسك في هذه الآية عن ذكر البنتين، وذكر الواحدة والثلاث وما فوقها، وذكر فيِ (قوله (٣)): يَسْتَفْتُونَكَ في آخر النساء الأخت الواحدة والبنتين (٤)، وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقها، فتضمن كل واحدة من هاتين الآيتين ما كف عن ذكره في غيرها، ويحتمل كل واحد منهما فيما أمسك عنه فيها على ما ذكره في غيرها ليأتلف المعنى على (ما يجب (٥)) إن شاء الله (٦).
قال أبو إسحاق: جعل الله عز وجل كتابه يدل بعضه على بعض تفقيهًا للمسلمين وتعليمًا؛ ليعملوا فيما يحزبهم (٧) في الأمور على هذه الأدلة، وقال بعضهم (٨): في الآية دليل على أن للبنتين الثلثين؛ لأنه قال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وكان أول العدد ذكرًا وأنثى، فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث. فلما دل هذا على أن للذكر الثلثين وللبنت الواحدة الثلث، عُلم أن
(٢) هو صاحب "نظم القرآن" وكثيرًا ما يأخذ عنه المؤلف، لكنه لم يصل إلينا.
(٣) ما بين القوسين ليس في نسخة (د).
(٤) هكذا في (أ)، (د) والظاهر: والثنتين.
(٥) في (أ): (يحب) بالحاء المهملة.
(٦) انتهى أخذ المؤلف من صاحب النظم، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي ٢/ ١٤١ - ١٤٢، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٧، القرطبي ٥/ ٦٣، "فتح القدير" ١/ ٤٣١.
(٧) يحز بهم: ينزل بهم ويهمهم. انظر: "اللسان" ٢/ ٨٥٤ (حزب).
(٨) صرح أبو إسحاق الزجاج بالقائل في "معانيه" ٢/ ١٩، وأنه: أبو عباس محمد بن يزيد [وهو المبرد]، وكذا قال اسماعيل بن إسحاق.
للبنتين الثلثين من حيث علم أن للذكر الثلثين.
وأما مذهب ابن عباس فهو محال في القياس، حيث يجعل البنتين كالواحدة. والبنتان كالجماعة؛ لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع (١)، في كثير من الأحكام، فصلاة الاثنين جماعة، والأخوان كالإخوة في حجب الأم من الثلث إلى السدس، ويجيء ذلك في آخر الآية، فالجمع بالجمع أولى أن يقاس من الجمع بالواحد (٢). وأيضًا فإن الآية في قول مقاتل، والكلبي نازلة في أم كجّة (٣)، وكانت لها ثلاث بنات، فنزلت في جواب ما استفتت وأجيبت في بناتها خصوصًا، وكن ثلاثًا (٤)، ولذلك ما خصت الثلاث بالذكر في الآية دون الثنتين.
(٢) انظر: "غرائب التفسير" ١/ ٢٨٥.
(٣) هي أم كجّة -بالجيم كما ضبطها ابن حجر- الأنصارية من الصحابيات -رضي الله عنهن- زوجة أوس بن ثابت الأنصاري، ولم تذكر سنة وفاتها. انظر: "تجريد أسماء الصحابة" ٢/ ٣٣٢، "الإصابة" ٤/ ٤٨٧.
(٤) لم أجد من أخرجه بلفظ ثلاث في تفسير هذه الآية، وقد أشار إليه الثعلبي عن مقاتل والكلبي في تفسير هذه الآية، وذكره مطولًا في تفسير قوه تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ [النساء: ٧].
انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٦ ب، ١٧ أ، ٢٢ أ. وقد أخرجه الطبري عن السدي بلفظ: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين، كان أهل الجاهلية لا يرثون الجواري ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أبو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجة إلى النبي - ﷺ -، فأنزل الله هذه الآية: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ "تفسير الطبري" ٤/ ٢٧٥. وأورد السيوطي أثر السدي وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم. انظر "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٢.
وقوله تعالى: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً وقرأ نافع (واحدةٌ) بالرفع (١) على معنى: إن وقعت واحدة، أي: إن حدث حكم واحدة، أو إرث واحدة؛ لأن (٢) المراد حكمها والقضاء في إرثها، لا ذاتها.
والاختيار قراءة العامة؛ لأن التي قبلها لها خبر منصوب، وهو قوله: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً، وكما أن الضمير هناك: إن كن المتروكات أو الوارثات نساء، كذلك ههنا: وإن كانت المتروكة واحدة (٣).
وقوله تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ يعني: ولأبوي الميت، كناية عن غير مذكور (٤)، وهما والداه. والأصل أن يقال: أبة (٥)، ولكن استغنى عنها بأم، فأبوان تثنية أب وأبة، وكذلك لو ثنيت ابنًا وابنًة ولم تخف اللبس لقلت: ابنان (٦).
وقوله تعالى: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ. أو ولد ابن، واسم الولد يقع على ولد الابن (٧).
(٢) في (د): (فان).
(٣) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٣٦ بتصرف، وانظر "معاني الزجاج" ٢/ ١٨، "إعراب القراءات السبع" ١/ ١٢٩، "الكشف" ١/ ٣٧٨. وممن اختار قراءة النصب ورجحها على الرفع الأزهري في "معاني القراءات" ١/ ٢٩٣، وابن خالوية في "الحجة" ص ١٢٠، وكثير من أئمة القراءات لم يتعرضوا للموازنة أو الترجيح بين القراءتين، فهما صحيحتان، وقد قرأ بالرفع اثنان من العشرة هما نافع وأبو جعفر. انظر: "المبسوط" ص ١٥٤، "النشر" ٢/ ٢٤٧.
(٤) "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ أ.
(٥) من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣، لكن فيه: والأصل في أم، أن يقال: أبة.
(٦) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣.
(٧) انظر: "الكشف" ٤/ ٢٢ أ، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٣٥.
والأب يرث من جهة التسمية السدس، ويرث بغير تسمية على جهة التعصيب.
مثال ذلك: لو مات عن ابنة وأبوين، كان للابنة النصف وللأم السدس، وكذلك للأب بالتسمية لأن الله تعالى قال: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، وههنا ولد وهو البنت، والسدس الباقي للأب أيضًا بحق التعصيب (١).
وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ.
أكثر القراء على ضم الهمزة من (أم) في جميع المواضع. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف إذا وليتها كسرة أو ياء (٢)، (نحو هذا) (٣) ونحو قوله: يَطُوفُونَ (٤)، أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ [النور: ٦١]، فِي أُمِّهَا رَسُولًا [القصص: ٥٩].
فأما إذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، مثل وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ [المؤمنون: ٥٠] (٥).
وإنما جاز كسر همزة (أم) لأن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها، فأتبعوها ما قبلها من الياء والكسرة، ليكون العمل فيها من
(٢) في "الحجة" ٣/ ١٣٧: وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر إذا وصلا وما ذكره المؤلف أوضح وهو الموافق لما في "السبعة" ص ٢٢٨.
(٣) ما بين القوسين ليس في (د).
(٤) هكذا في (أ)، (د) وهو تحريف، والظاهر أن الصواب: فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [الزمر: ٦]، كما في "الحجة" ٣/ ١٣٧.
(٥) ما بين القوسين زائد على ما في "الحجة" لأبي علي وإن كان من لازم كلامه.
وجه واحد (١).
قال أبو إسحاق: إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: فَلِأُمِّهِ، وليس في كلام العرب مثل: فِعُل بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام [بالاسم] (٢) شبه بالكلمة الواحدة، فأبدل من الضمة كسرة (٣).
وأيضًا فإن الهمزة لما يتعاورها من القلب والتخفيف تشبه الياء والواو، فتتغير كما تتغير الياء والواو، وتقارب الهاء في المخرج، والهاء قد اتبع الكسرة في نحو: بهم، وبهي (٤). كذلك الهمزة.
فإن قيل: وهلا فعلوا ذلك بغير هذا الحرف، مما فيه الهمزة، نحو: أتّ وأسّ وأدّ من أسماء الرجال؟
قيل: إن هذا الحرف قد كثر في كلامهم، والتغيير إلى ما كثر أسرع، وقد يختص الشيء في الموضع بما لا يكون في أمثاله، كقولهم: أسطاع وأهراق، ولم يفعل ذلك بما أشبهه، كذلك هذا التغيير في الهمزة مع الكسرة والياء اختص به هذا الحرف، ولم يكن فيما أشبهه (٥).
(٢) الزيادة من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣ لكي يستقيم الكلام.
(٣) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "الكشف" ١/ ٣٧٩.
ويرجع المؤلف بعده إلى أبي علي في "الحجة" فكان كلام الزجاج اعتراضًا أثناء كلام أبي علي، وانظر: "الحجة" ٣/ ١٣٧، ١٣٨.
(٤) هكذا الكلمة في "الحجة" ٣/ ١٣٧، ولعل الأصل: به فأشبعت الكسرة في الهاء فأشبهت الياء.
(٥) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٣٧، ١٣٨.
و (أما) (١) من ضم الهمزة فإنه أتى بها على الأصل، ألا ترى أن الهمزة في: أد وأف وبابه مضمومة على جميع أحوالها، ولا يؤدي إلى استعمال فِعُل، لأن اللام ليست من أصل الكلمة، واللام (٢) من (فلأمه) قديرها تقدير الانفصال (٣).
وقوله تعالى: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ. أجمعت الأمة على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس كرجل مات عن أبوين وأخوين، كان للأم السدس، والباقي للأب. فالأخوان فما فوقهما يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس. والأخ الواحد لا يحجب.
وابن عباس يخالف في هذه المسألة: فلا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة إخوة. وقال لعثمان (٤) -رضي الله عنه-: بم (٥) صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عز وجل: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها
(٢) في (أ) و"الأم"، وما أثبته هو الصواب.
(٣) انظر "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣، "معاني القراءات" ١/ ٢٩٥، "الحجة" ٣/ ١٣٧، "الكشف" ١/ ٣٨٠.
(٤) هو أمير المؤمنين أبو عبد الله عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي سبق إلى الإسلام ولقب بذي النورين وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، اتصف - رضي الله عنه - بالحلم وصلة الرحم وكثرة العبادة والإحسان ولين الجانب، استثمهد على يد جماعة غاشمة ظالمة سنة ٣٥ هـ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقد قضى في الخلافة أكثر من إحدى عشرة سنة رَضِيَ الله عَنْه وأرضاه.
انظر: "تاريخ خليفة" /١٦٨ - ١٨٠، "الاستيعاب" ٣/ ١٥٥ - ١٦٥، "الإصابة" ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٥) في (أ)، (د): (ثم)، والصواب ما أثبته، انظر: الطبري ٤/ ٢٧٨.
بأخوين، ولا أستطيع نقض أمر قد كان قبلي (١). مقابلة بالإجماع.
قال علماء اللغة: قول ابن عباس: الأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة غلط منه؛ لأن الأخوين جماعة كالإخوة، وذلك أنك إذا جمعت واحدًا إلى واحد فهما جماعة ويقال لهما إخوة (٢).
وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما. يريدون: رحلي راحلتيها (٣).
قال ابن الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع، ومشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية، من ذلك قوله تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [الأنبياء: ٧٨]، وهو يريد داود وسليمان، ومنه قوله: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم: ٤] يريد قلبيكما (٤). والعرب تقول: لطمت أوجه الرجلين، وضربت أرؤسهما، وشققت بطونهما، فيجمعون في موضع التثنية (٥).
(٢) من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٢٢ بتصرف.
وانظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٧٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ ب، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٢ "تفسير ابن كثير" ١/ ٤٩٩.
(٣) "الكتاب" ٣/ ٦٢٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٢.
(٤) في (د): (قلبكما).
(٥) لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٣٦، "مشكل إعراب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٨٣، الطبري ٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٢، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ ب، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٢.
قال قتادة: وإنما حجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب (لمعونة الأب) (١)؛ لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون الأم (٢).
وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، أي: هذه الأنصبة إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه، وذكر الوصية مقدمةً على الدين، وذلك تقديم في اللفظ لا في الحكم؛ لأن (أو) لا توجب ترتيبًا، وإنما هي لأحد الشيئين؛ كأنه قيل: من بعد أحد هذين (٣) مفردًا أو مضمومًا إلى الآخر (٤).
قوله تعالى: يُوصِي بِهَا قرئ بكسر الصاد وفتحها (٥).
فمن كسر (٦) فلأنه تقدم ذكر الميت المفروض فيما ترك، يبين ذلك قوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ أي: لأم الميت مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصيها الميت. ومن فتح الصاد فإنه يؤول في المعنى إلى يوصي، ألا ترى أن الموصي هو الميت، والذي (٧) حسن فتح الصاد أنه ليس
(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٨٠ بمعناه، وقال ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٤٩٩، عندما ساق هذا الأثر: وهذا كلام حسن وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٣، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٣) في (د): (مدبن).
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٢٣، ٢٤، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٤٣، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٣.
(٥) بالفتح لابن كثير وعاصم -في رواية أبي بكر- وابن عامر، وبالكسر للباقين من العشرة. انظر: "السبعة" ص ٢٢٨، "الحجة" ٣/ ١٣٩، "المبسوط" ص ١٥٤، "النشر" ٢/ ٢٤٨.
(٦) توجيه القراءتين من "الحجة" ٣/ ١٤٠
(٧) في "الحجة": وكأن الذي.
لميت (١) إنما هو شائع في الجميع، فلذلك حسن يوصى (٢) (٣).
وقوله تعالى: أَوْ دَيْنٍ إن قيل: ما معنى (أو) هاهنا، وهلا كان من بعد وصية يوصي بها (ودين) (٤)؟. والجواب: ما قاله الزجاج، وهو أن معناه الإباحة، كما لو قال قائل: جالس الحسنَ أو الشعبي، المعنى: أن كل واحد منهما (٥) أهل أن يجالس، فإن جالست الحسن فأنت مصيب، (أو الشعبي فأنت مصيب، وإن جمعتهما فأنت مصيب) (٦)، ولو قال: جالس الرجلين، فجالست واحدًا منهما وتركت الآخر كنت غير متبع ما أمرت به. كذلك في الآية لو كان: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا (و) دَيْنٍ احتمل اللفظ أن يكون هذا (الحكم المذكور في الآية) (٦) إذا اجتمعت الوصية والدين، فإذا انفرد كان حكم آخر، فإذا كانت "أو" دلت على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كانا كلاهما (٧).
وقوله تعالى: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا. في هذا قولان:
(٢) في (أ)، (د) يوصا بألف ممدودة، وهو مخالف لقواعد الإملاء المتبعة، وما أثبته هو الموافق لـ"الحجة".
(٣) انتهى من "الحجة" ٣/ ١٤٠.
(٤) في (أ)، (د): أو دين، والتصويب من "معاني الزجاج".
(٥) في "معاني الزجاج" ٢/ ٢٤: هؤلاء.
(٦) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".
(٧) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٢٣، ٢٤ بتصرف يسير، وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص ٢٨١، "معاني الحروف" للرماني ص ٧٧، "رصف المباني" ص ٢١٠، إيضاح الجملة الأخيرة عند المؤلف أنه عبر بأو هنا للدلالة على أن الحكم بالنسبة للدين والوصيه في الميراث واحد لا يتغير سواء وجدا منفردين أو مجتمعين.
أحدهما: أن هذا فصل معترض بين ذكر الورّاث وأنصبائهم، وبين قوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية، ومعنى هذا الفصل في قول ابن عباس والكلبي: أن الله تعالى يُشَفِّع المؤمنين بعضهم في بعض، فأطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة (١). فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته (٢)، ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه، رفع الله إليه والديه، فقال الله عز وجل: لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا، لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة، وسبقه إلى منزلة عالية تكون سببًا لرفعه إليها (٣).
القول الثاني: أن هذا فصل معترض بينهما، ومعناه متعلق بمعنى الآية.
يقول: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق، ولكن الله تعالى قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فأفسدتم وضيعتم وأعطيتم من لا يستحق ومنعتم من يجب له الميراث، وهذا قول الزجاج (٤)، وابن الأنباري، وجماعة من أهل المعاني (٥)، وإليه أشار ابن عباس في
(٢) في (أ): (بمسلته).
(٣) ذكر الهواري معنى ذلك من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقريبًا منه قولًا للكلبي. انظر "تفسير كتاب الله العزيز" ١/ ٣٥٥، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٣ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٧٨.
(٤) ساق الزجاج القولين من دون اختيار لأحدهما. انظر: "معاني القرآن" ٢/ ٢٤.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨١ - ٢٨٢، "إيضاح الوقف والابتداء" ٢/ ٥٩٣، "الدر المنثور" ٢/ ٢٢٣، ٢٢٤.
رواية عطاء (١).
وقوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ منصوب على التوكيد من قوله: وَلِأَبَوَيْهِ، أي لهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضًا، (ففريضة) (٢) مؤكدة لقوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ (٣).
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. قال الحسن: كان عليمًا بالأشياء قبل خلقها، حكيمًا فيما يقدر (٤).
وقال عطاء: كان عليمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيمًا حيث فرض للصغار مع الكبار، ولم يخصّ الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل (٥).
وحكى الزجاج عن سيبويه، قال: كأن القوم شاهدوا علمًا وحكمة ومغفرة وتفضلًا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم (٦).
(٢) في (أ)، (د): بفريضة، والتصويب من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥.
(٣) من "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥، وتوضيح قول المؤلف -تبعًا للزجاج- بأن فريضة منصوب على التوكيد أي: أنها مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من الوصية، وقد أطلق كل من ابن جرير والنحاس ومكي أنها منصوبة على المصدرية. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨٢، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٨، "مشكل إعراب القرآن" لمكي ١/ ١٩٢، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٦.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "زاد المسير" ٢/ ٢٩، "تفسير الحسن" ١/ ٢٦٤.
(٥) لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: الطبري ٤/ ٢٨٢، "الوسيط" ٢/ ٤٦٧.
(٦) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "زاد المسير" ٢/ ٢٩، ولم أقف على قول سيبويه في كتابه.
وقال الخليل: الخبر عن الله عز وجل بمثل هذه الأشياء، كالخبر بالاستقبال والحال؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب (١).
وقوله تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً. قد أكثروا في الكلالة، والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد (٢).
وهو قول أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق (٣).
وأخبرني موسى بن الفضل (٤)، حدثنا الأصم (٥)، عن محمد بن الجهم (٦)، عن الفراء، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد (٧).
وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري (٨)، عن
(٢) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٢٥٧، "مجاز القرآن" ١/ ١١٨، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص١١٦، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨٣، "تفسير كتاب الله العزيز" ١/ ٣٥٦، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٣ ب، "زاد المسير" ٢/ ٣٠، ٣١، "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٠٠.
(٣) انظر: "الطبري" ٨/ ٥٣ - ٧٥.
(٤) لم أقف له على ترجمة.
(٥) هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف المعقلي النيسابوري، تقدمت ترجمته.
(٦) هو أبو عبد الله محمد بن الجهم السمري، تقدمت ترجمته.
(٧) قول الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٧، وانظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ - ٣١٧٧ (كل) حيث جاء بسند آخر.
(٨) هو أبو الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري الهروي، تقدمت ترجمته.
الحسين ابن فهم (١)، عن سلمة، عن أبي عبيدة، أنه قال: الكلالة كل من لم يرثه (ولد أو أب) (٢). ونحو ذلك قال الأخفش (٣).
قال المنذري: وسمعت أبا العباس (٤) يقول: الكلالة من القرابة ما خلا الوالد والولد. سموا كلالة لاستدارتهم بنسب الميت من تكلله النسب أي أحاط به واشتمل عليه (٥). فهم بمنزلة العصبة، كالإخوة والأخوات والأعمام وأبنائهم.
قال: وسمعته (٦) مرة يقول: الكلالة من سقط عنه طرفاه، وهما أبواه (وولداه (٧))، فصار كلا وكلالة، أي: عيالًا على الأصل. يقول: سقط
انظر: "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٤٢٧.
(٢) في (د): (ولد ولا أب)، وما أثبته هو الموافق لـ"التهذيب"، أما "المجاز" لأبي عبيدة ١/ ١١٨ ففيه: (كلالة) كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة اهـ، وإدخال أبي عبيدة الأخ مع الأب والابن هنا لا يوافق عليه. انظر "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٧.
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ (كل)، ولم أر الأخفش في "معاني القرآن" تعرض لتفسير الكلالة.
(٤) هو أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، تقدمت ترجمته.
(٥) قول المنذري من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ - ٣١٧٧ (كل) بتصرف يسير، وانظر: "الصحاح" ٥/ ١٨١١ (كلل)، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).
(٦) القائل المنذري والمسموع أبو العباس ثعلب.
(٧) في "التهذيب": وولده.
(من (١)) الطرفين فصار عيالًا عليهم (٢). وقيل: لأن من لا يكون والدًا ولا ولدًا كلّت قرابته عن أن تكون قرابة ماسة. يقال: هو أكَلُّ من هذا، أي: أبعد نسبًا (٣).
وحديث جابر يفسر الكلالة، وأنه الوارث (غير الوالد والولد)؛ لأنه يقول: مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتيت النبي - ﷺ -، فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة (٤).
أراد أنه لا والد له ولا ولد، فكل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (٥).
فالكلالة اسم يقع على الوارث والموروث إذا كانا بالصفة التي ذكرنا (٦).
ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، يقال: كل الرجل يكل كلالة، أي صار
(٢) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ (كل)، وانظر "اللسان" ٧/ ٣٩١٩ (كلل).
(٣) هذا القول في توجيه هذه الكلمة ليس في "تهذيب اللغة"، ولم أقف عليه، وانظر: "العين" ٥/ ٢٧٩ (كل)..
(٤) الكلام من قوله: وحديث جابر من "تهذيب اللغة" ٩/ ٢٤٧، أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٨٦ بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في "عمدة الحفاظ" ص ٥٠١ (كلل)، وعبارة (غير الوالد والولد) ليست في "التهذيب".
(٥) انتهى من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ (كل) بتصرف.
(٦) هناك خلاف: هل الكلالة اسم يقع على الوارث؟ أو المورث؟ أو عليهما "معاني الآثار" للطحاوي، كما نص عليه المؤلف؟ انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨٦، ولعل الراجح ما أشار إليه المؤلف. انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٧ (لكل)، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ - ٣٩١٩ (كلل)، "عمدة الحافظ" ص٥٠١ (كلل).
كلًّا، وهو الذي لا ولد له ولا والد. ذكره الليث (١)، وهو صحيح.
والدليل على أن الوارث يُسمى كلالة حديث جابر أنه قال: ليس يرثني إلا كلالة، والدليل على أن الموروث الميت يُسمى كلالة قول الفرزدق:
وَرِثتُم قَناةَ المُلك لا عن كَلالةٍ... (عن ابنَي منافٍ: عبدِ شمسٍ وهاشم) (٢) (٣)
وقول الشاعر:
| يهز سلاحًا لم يرِثه كلالةً | يَشُكُّ بِه منهَا جلودَ المَغَابنِ (٤) |
(٢) هذا الشطر الثاني من البيت ليس في (د)، وإنما اكتفى الناسخ بقوله: البيت.
(٣) البيت في "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل) فيه الشطر الأول، "عمدة الحفاظ" ص ٥٠١ (كلل)، "الدر المصون" ٣/ ٦٠٧، وقد ذكر د. أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في "ديوان الفرزدق"، هذا مع أني لم أجده في "معجم شواهد العربية" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من "ديوان الفرزدق" و"منتهى الطلب"، والله أعلم.
(٤) البيت للطرماح كما في "ديوانه" ص١٣٣، و"البحر المحيط" ٣/ ٣٥٢، و"أساس البلاغة" (كلل) و"الصحاح" (سلح)، و"المحكم" (سلح) و"اللسان" (سلح): (بزغ). والمغابن جمع مَغبِن، وهو الإبط والرُّفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضًا. انظر: "اللسان" ٦/ ٣٢١١ (غبن).
قال الأزهري: ودل قول الشاعر (١) أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله:
| فإنَّ أبا المرءِ أحمَى له | وَمولى الكَلالةِ لا يَغْضَبُ (٢) |
وقوله تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات. ويورث ههنا من: وُرِثَ يُورث، لا من: أُورِثَ يُورَث (٤).
وانتصب كلالة من وجهين: أحدهما: أنه خبر كان (٥).
والثاني: على الحال. المعنى يورث في حالٍ مكللةٍ نسب ورثته، أي لا ولد له ولا والد. وهذا الوجه هو الاختيار، وهو قول الزجاج، والكلالة مصدر وقع موقع الحال، تقديره: يورث متكلل النسب (٦).
وقوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ إن قيل: قد سبق ذكر الرجل والمرأة
(٢) لم أعرف قائله وهو من "شواهد الزجاج في معانيه" ٢/ ٢٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل) إضافة إلى الأزهري حيث أفاد المؤلف منه كما سيأتي العزو إليه.
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٧ (كلل)، وانظر "معاني الزجاج" ٢/ ٢٦، "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).
(٤) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٦ (كلل)، وانظر: "اللسان" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٤٣٨، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٢.
(٦) انظر: "معاني الأخفش" ١/ ٤٣٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠، واقتصر الزجاج على ذكر هذا القول فقد يكون اختاره دون غيره.
في قوله: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ثم قال: وَلَهُ أَخٌ فأضاف إلى الرجل وكنى عنه دون المرأة؟
قال الفراء: وذلك جائز، إذا جاء حرفان في معنى واحد بـ (أو) أسندت التفسير إلى أيهما شئت، وإن شئت أسندت إليهما (١)، تقول في الكلام: من كان له أخ أو أخت فليصله تذهب إلى الأخ، وفليصلها تذهب إلى الأخت، وإن قلت: فليصلهما، فذلك جائز، (وإن شئت قلت: فليصلهم) (٢)، كقراءة من قرأ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم [النساء: ١٣٥] (٣) ذهب إلى الجميع لأنهما اثنان غير مؤقتين (٤).
وأجمع المفسرون على أن المراد (بالأخ والأخت ههنا من الأم) (٥) (٦)، وكذلك في قراءة سعد بن أبي وقاص (٧): (وله أخ أو أخت من أم) (٨).
(٢) ما بين القوسين ليس في "معاني الفراء".
(٣) نُسبت هذه القراءة لأبيّ -رضي الله عنه- وليست في المتواتر. انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٣٧٠.
(٤) انتهى من "معاني القرآن" ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨، وانظر: الطبري ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٨.
(٥) في (د): (بالأخ والأخت أولاد الأم).
(٦) انظر "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري ١/ ٣٥٦، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، "معاني الزجاج" ٢/ ٢٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٠، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٤٩، "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٠٠.
(٧) هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أُهيب القرشي صحابي مشهور، أحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتًا. روى عن النبي - ﷺ - كثيرًا. كان فارسًا شجاعًا، وهو أحد الستة أهل الشورى وعرف بإجابة الدعوة، توفي - رضي الله عنه - على الأشهر سنة ٥٦ هـ. انظر: "الاستيعاب" ٢/ ١٧١ - ١٧٤، "الإصابة" ٢/ ٣٣ - ٣٤.
(٨) أخرجِ أبن جرير بسنده عن سعد أنه كان يقرأ: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ قال سعد: لأمه وذكر هذه القراءة الثعلبي في "الكشف =
قال ابن عباس في رواية عطاء: وله أخ أو أخت من أمه (١).
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (وفرض) (٢) الواحد من ولد الأم السدس، فإن كانوا أكثر من واحد اشتركوا في الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء. هذا لا خلاف فيه بين الأمة (٣).
قال أبو إسحاق: وإنما استُدِل على أن المراد بالأخ والأخت ههنا أولاد الأم بأن ذكر في آخر هذه السورة في قوله: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ [النساء: ١٧٦] (٤) أن للأختين الثلثين، وأن للإخوة كل المال، فعُلم ههنا لما جعل للواحد السدس وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئًا ما كانوا، أنه يعني بهم الإخوة لأم (٥).
وقوله تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ أي: مدخل الضرر على الورثة (٦). قال المفسرون: هو أن يوصي الرجل بدين ليس عليه (٧)، يريد بذلك ضرر
(١) لم أقف على هذا الأثر إلا عند المؤلف نفسه في "الوسيط" ٢/ ٤٧٢، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش القرآن الكريم ص ٧٩.
(٢) في (أ): (وفوّض).
(٣) انظر: الطبري ٤/ ٢٧٧، "الإجماع" لابن المنذر ص ٣٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ أ، "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٠، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٣٤٩، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٧٩.
(٤) سياق الآية ليس في "معاني الزجاج".
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٦.
(٦) "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب.
(٧) ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن في "الكشف والبيان" ٤/ ٢٤ ب؛ والبغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ١٨٠، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٨٠، "البحر المحيط" ٣/ ١٩٠.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي