* قوله تعالى : لهمت طائفة أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء :
٤٢٩- استثناء مفرغ لتوسطه بين الفعل والمفعول.
وفيه أسئلة، وهي إن من قصد إضلال غيره كيف يوصف بأنه أضل نفسه مع أنه لم يقصد لذلك ؟ وما وجه المجاز في ذلك ؟ وما المستثنى منه ؟
الجواب : إن المعنى في هذه الآية مبني على قاعدة وهي أن العرب تنفي الشيء لنفي ثمرته، وإن كان ثابتا في نفسه وتثبته لثبوت ثمرته، وإن كان منفيا في نفسه كما تقرر في علم البيان.
وهاهنا قصد الكفار إضلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تحصل ثمرته، فنفي لنفي ثمرته، لأن ثمرته أن يضل صلى الله عليه وسلم وهو لم يضل، فنفي عنه أن يكون صدر منهم ضلال في حقه صلى الله عليه وسلم، وحصلت ثمرة الضلال في حقهم، وهو الوقوع في المهالك من أمر الدنيا وأمر الآخرة، فجعلوا ضالين لأنفسهم بنفس الفعل الذي فعلوه مع غيرهم، لأن وبال ذلك الفعل بعينه إنما عاد عليهم.
فهذا وجه هذا السلب وهذا الثبوت بناء على هذه القاعدة العربية، وهذا وجه المجاز في هذا السلب وهذا الثبوت.
فإن قلت : ما العلاقة في هذا المجاز ؟
قلت : العلاقة فيه المشابهة، وهو من مجاز الاستعارة، لأن الحقيقة إذا وجدت بدون ثمرتها أشبهت الحقيقة المعدومة، لأن الحقيقة المعدومة لا تثبت ثمرتها فتشابها في عدم ثبوت الثمرة، فكان المجاز مستعارا. وكذلك إذا ثبتت الثمرة أشبهت هذه الحالة حالة ثبوت الحقيقة، فإن حال ثبوت الحقيقة بكون ثمرتها ولوازمها متحققة، فحصلت المشابهة، فكان المجاز مستعارا.
وأما المستثنى منه فهم أفراد الناس، وتقديره : " ما يضلون أحدا إلا أنفسهم ". فالمستثنى منه أفراد العقلاء. ( الاستغناء : ١٨١ إلى ١٨٣ )
* قوله تعالى : وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما :
٤٣٠- عادة العرب في سياق الامتنان تأخير الأفضل وتقديم المفضول على الأفضل، فتكون موهبته صلى الله عليه وسلم من العلم أفضل من موهبته من الإنزال المتضمن للنبوة والرسالة، وهذا شرف عظيم شب فيه عمرو عن الطوق. ( الذخيرة : ١/٤٢ )
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي