إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما١٠٥ واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ١٠٦ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما١٠٧ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا١٠٨ هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ١٠٩ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ١١٠ ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما١١١ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا١١٢ ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمّت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما١١٣ .
روى الترمذي١ والحاكم وغيرهما عن قتادة بن النعمان قال كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشير ومبشر، وكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ثم ينحله بعض العرب يقول قال فلان كذا، وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك٢ فجعله في مشربة له فيها سلاح وذرع وسيف فعدي عليه من تحت فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم. فقال بنو أبيرق ونحو نسأل في الدار والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال أنا أسرق ؟ والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها فقال لي عمي يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأتيته فقلت أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سأنظر في ذلك ) فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت. قال قتادة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة ) ؟ فرجعت فأخبرت عمي فقال : الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما بني أبيرق، واستغفر الله أي مما قلت لقتادة إلى قوله عظيما فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرد إلى رفاعة ولحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد فأنزل الله ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى [ النساء : ١١٥ ] إلى قوله ضلالا بعيدا [ النساء : ٦٠ ] قال الحاكم صحيح على شرط مسلم.
وأخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمود بن لبيد قال عدا بشير بن الحارث على علية رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان فنقبها من ظهرها وأخذ طعاما له ودرعين بأداتهما فأتى قتادة النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فدعا بشيرا فسأله فأنكر ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلا من أهل الدار ذا حسب ونسب فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس الآيات اهـ من لباب النقول. وروى ابن جرير عن قتادة " أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمه بن أبيرق وفيما هم به نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) من عذره وبين الله شأن طعمه بن أبيرق ووعظ نبيه وحذره أن يكون للخائنين خصيما. وكان طعمه بن أبيرق رجلا من الأنصار ثم أحد بني ظفر سرق درعا لعمه كان وديعة عنده ثم قذفها على يهودي كان يغشاهم يقال له زيد بن السمير فجاء اليهودي إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم يهتف فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاءوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم وكان نبي الله عليه السلام قد هم يعذره حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل فقال ولا تجادل الخ وكان طعمه قذف بها بريئا. فلما بين الله شأن طعمه نافق ولحق المشركين بمكة فأنزل الله فيه ومن يشاقق الرسول الآية.
وروي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في نفر من الأنصار كانوا مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في بعض غزواته فسرقت لأحدهم درع فأظن بها رجلا من الأنصار فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن طعمه ابن أبيرق سرق درعي فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته إني قد غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عندهم فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن سارق الدرع فلان وقد أحطنا بذلك علما فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس فأنزل الله إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ـ إلى قوله ـ وكيلا .
وروي عن ابن زيد أن رجلا سرق درعا من حديد وطرحها على يهودي فقال اليهودي والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي. وكان للرجل الذي سرق جيران يبرؤونه ويطرحونه على اليهودي ويقولون يا رسول الله هذا اليهودي الخبيث يكفر بالله وربما جئت به، قال حتى مال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ببعض القول فعاتبه الله عز وجل في ذلك فقال ( وذكرت الآيات ) ثم قال في الرجل ويقال هو طعمه بن أبيرق.
وروي عن السدي أنها نزلت في طعمه بن أبيرق استودعه رجل من اليهود درعا فخانه فيها وأخفاها في دار أبي مليك الأنصاري، وأهان طعمه وأناس من قومه اليهودي لما جاء يطلب درعه، وجادلت الأنصار عن طعمه وطلبوا من النبي أن يجادل عنه الخ وقد اختار أكثر المفسرين أن الخائن هو طعمه وأن اليهودي هو الذي كان صاحب الحق.
هذا ما ورد في سبب النزول. وأما وجه الاتصال والتناسب بين هذه الآيات وما قبلها فقد قال فيه الإمام الرازي ما نصه :
" في كيفية النظم وجوه :
( الأول ) : أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر، ومثل بيان صلاة السفر وصلاة الخوف ـ رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين وذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم بالباطل ويذر الحكم بالحق، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب.
( والوجه الثاني : في بيان النظم ) أنه تعالى لما بين الأحكام الكثيرة في هذه السورة بين أن كل ما عرف بإنزال الله تعالى وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلبا لرضا قومه
( الوجه الثالث ) : أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بين أن الأمر وإن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم، ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم، وأن كفر الكافر يبيح المسامحة بالنظر له، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل الله على رسوله، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك " اهـ.
وقال الأستاذ الإمام : بعد أن حذر الله المنافقين من أعداء الحق الذين يحاولون طمسه بإهلاك أهله، أراد أن يحذرهم من ما يخشى على الحق من جهة الغفلة عنه، وترك العناية بالنظر في حقيقته وترك حفظه، فإن إهمال العناية بالحق أشد الخطرين عليه لأنه يكون سببا لفقد العدل أو تداعي أركانه وذلك يفضي إلى هلاك الأمة وكذلك إهمال غير العدل من الأصول العامة التي جاء بها الدين، فالعدو لا يمكنه إهلاك أمة كبيرة وإعدامها، ولكن ترك الأصول المقومة للأمة كالعدل وغيره يهلك كل أمة تهمله ولذلك قال ( وذكر الآية الأولى ).
أقول : أما اتصال الآيات بما قبلها مباشرة فالأقرب فيه ما قاله الأستاذ الإمام ويمكن بيانه بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من الأعداء ويستعدوا لمجاهدتهم حفظا للحق أن يؤتى من الخارج، أمرهم بأن يقوموا بما يحفظه في نفسه فلا يؤتى من الداخل، وأن يقيموه على وجهه كما أمر الله تعالى ولا يحابوا فيه أحدا. وأما اتصالها بمجموع ما قبلها فقد علمنا مما مرّ أن أول السورة في أحكام النساء والبيوت إلى قوله تعالى : فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ومن هذه الآية إلى هنا تنوعت الآيات بالانتقال من الأحكام العامة إلى مجادلة اليهود وبيان حالهم مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين، وتخلل ذلك الأمر بطاعة الله ورسوله والنعي على المنافقين الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت كاليهود، وتأكيد الأمر بطاعة الرسول، وبيان أنه تعالى لم يبعث رسولا إلا ليطاع، والترغيب في هذه الطاعة. ثم انتقل من ذلك إلى أحكام القتال وبيان حال المؤمنين والكافرين والمنافقين فيه، وقد عاد في هذا السياق أيضا إلى تأكيد طاعة الرسول وحال المنافقين فيها ـ فناسب أن ينتقل الكلام من هذا السياق إلى بيان ما يجب على الرسول نفسه أن يحكم به بعدما حتم الله التحاكم إليه وأمر بطاعته فيما يحكم ويأمر به، فكان هذا الانتقال في بيان واقعة اشترك فيها الخصام بين من سبق القول فيهم من أهل الكتاب والمنافقين الذين سبق شرح أحوالهم في الآيات السابقة فقال عز وجل :
بعد أن بين الله تعالى هذه الأحكام والحكم والمواعظ المنطبقة على تلك الواقعة، ووجه إلى كل من له شأن فيها ما يناسبه في سياق هذه القواعد العامة، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحاكم بين الخصمين فيها بقوله : ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك . أي لولا فضل الله عليك بالنبوة والتأييد بالعصمة، ورحمته لك ببيان حقيقة الواقعة، لهمت طائفة من الذين يختانون أنفسهم بالمعصية أو بمساعدة الخائن أن يضلوك عن الحكم العادل المنطبق على حقيقة القضية في نفسها، أي يضلوك بقول الزور وتزكية المجرم وبهت اليهودي البريء، لعلمهم أن الحكم إنما يكون بالظواهر، أو بمحاولة الميل إلى إدانة اليهودي توهما منهم أن الإسلام يبيح ترجيح المسلم على غيره ونصره ظالما أو مظلوما كما يعهدون في غيره من الملل. ولكنهم قبل أن يطمعوا في ذلك ويهموا به جاءك الوحي ببيان الحق، وإقامة أركان العدل، والمساواة فيه بين جميع الخلق.
وقيل إن الآية نزلت في وفد ثقيف إذ قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا جئنا لنبايعك على أن لا تكسر أصنامنا ولا تعشرنا، فردهم وما يضلون إلا أنفسهم بانحرافهم عن الصراط المستقيم الذي هداهم إليه الإسلام واتباع الهوى والتعاون عليه وما يضرونك من شيء وقد عصمك الله من الناس ومن اتباع الهوى في الحكم بينهم. وهذه الآية ناطقة بأنه صلى الله عليه وسلم لم يجادل عنهم ولا أطمعهم في التحيز لهم قبل نزول الوحي ولا بعده بالأولى.
هذا ما ظهر لي الآن. وقد رجعت بعد كتابته إلى مذكراتي التي كتبتها في درس الأستاذ الإمام فإذا فيها ما نصه :
كان الكلام في المختانين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحق، وقد أراد تعالى بعد بيان تلك الأوامر والنواهي وتوجيهها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين فضله ونعمته عليه. قال الأستاذ : ولا يصح تفسير الآية بما ورد من قصة طعمة لأنه على ما روي قد همّ هو وأصحابه بإضلال النبي عن الحق الذي أنزله الله عليه، وهو تعالى يقول إنه بفضله ورحمته عليه قد صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلاله والهمّ بذلك. وذلك أن الأشرار إذا توجهت إرادتهم وهممهم إلى التلبيس على شخص ومخادعته ومحاولة صرفه عن الحق فلابد له أن يشغل طائفة من وقته لمقاومتهم وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم وذلك يشغل المرء عن تقرير الحقائق وصرف وقت المقاومة إلى عمل آخر صالح نافع، ولذلك تفضل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه حتى بالهم بغشه وزحزحته عن صراط الله الذي أقامه عليه اه.
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلّمك ما لم تكن تعلم الكتاب : القرآن، والحكمة : فقه مقاصد الكتاب وأسراره ووجه موافقتها للفطرة وانطباقها على سنن الاجتماع البشري واتحادها مع مصالح الناس في كل زمان ومكان. وعلمك ما لم تكن تعلم هو في معنى قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [ الشورى : ٥٢ ] ولا دليل فيه على أن المراد به تعليمه الغيب مطلقا بل هو الكتاب والشريعة، وخصوصا ما تضمنته هذه الآيات من العلم بحقيقة الواقعة التي تخاصم فيها بعض المسلمين مع اليهودي.
وكان فضل الله عليك عظيما إذ اختصك بهذه النعم الكثيرة وأرسلك للناس كافة، وجعلك خاتم النبيين، فيجب أن تكون أعظم الناس شكرا له، ويجب على أمتك مثل ذلك ليكونوا بهذا الفضل خير أمة أخرجت للناس، وقدوة لهم في جميع الخيرات.
تفسير المنار
رشيد رضا