ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء
في الآيات السابقة ذكر سبحانه أحوال المنافقين والذين يختانون أنفسهم وأشار إلى الذين يرتكبون الشر، ويرمون به غيرهم وما يجب أن يكون عليه القاضي المنصف الذي يرد الحقوق إلى أصحابها وتكون عنده المقاسم الحقيقية للحق والباطل، وكل ذلك في الأحكام الدنيوية. وفي هذا النص يبين سبحانه مراتب العصاة أمام الله تعالى، فذكر ثلاث مراتب : المرتبة الأولى مرتبة التوابين، والثانية مرتبة الذين لا تتعدى آثامهم أنفسهم أو لا يرمون بها غيرهم والثالثة وهي التي تنال أشد الجزاء الأخروي بعد الخزي الدنيوي، هي التي ترتكب الشر وترمي به غيرها. وقد بين الله سبحانه المرتبة الأولى بقوله تعالى : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما
الضمير في قوله تعالى : لهمت طائفة منهم يعود على ما يفهم ضمنا من حال هؤلاء الذين أركست نفوسهم في الخطايا، حتى أصبحوا يقدمون عليها من غير قصد خاص إليها، كأن ذلك حال من أحوالهم، فهم منافقون يبتغون الفتنة في الذين آمنوا، وأول فتنة وأقوى فتنة هي التي تجيء في الحكام، فتبعد ما بينهم وبين الأخيار من الأمة، ويتقرب بها الأشرار الذين يرتكبون الشر، ويرمون به الأبرياء، ومعنى النص الكريم : إن أولئك المنافقين العصاة الجريئون على رمي الأبرياء وتضليل الحكام. ولولا أن الله تعالى من عليك بفضله العميم، ورحمته الواسعة، لهمت طائفة منهم أن يجعلوك في ضلال بالنسبة لمن تحكمهم وتهديهم، فهم لم يهموا بذلك، لأنهم يعلمون فضل الله تعالى عليه بالوحي الذي يبين له الحق، ورحمته الواسعة التي يمن بها عليه وعلى قومه، فلا يكون منهم ما يعنتهم، كما قال تعالى في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام :... عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم١٢٨ ( التوبة ).
وإن هؤلاء إذا حاولوا هذه المحاولة أو لم يحاولوها، واستمروا في غيهم يعمهون، فإنهم باستمرارهم في هذه الغواية يسيرون إلى أقصى المدى في الشر، فيبعدون عن الهداية، ولذلك لا يضلون إلا أنفسهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لن يضل أبدا، وإنهم لا يضرونه بأي قدر من الضرر، ولا بأي نوع منه، لأن الله حافظه، وحافظ من اتبعوه إلى يوم القيامة. وقد بين الله حصانه نبيه إذ قال :
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما هداية كاملة بالرسالة، بينها الله سبحانه وتعالى بأن الكتاب أنزل عليه مبينا به الشريعة الحق التي لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو يحكم بقانون القرآن وعلمه الرسالة وأنزل عليه الحكمة وهي الفهم الصحيح، وفقه الواقع والمسائل : وإن هذا التفسير له موضعه من الحق، فالله تعالى أنزل عليه الوحي بالسنة، فما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وإنه يعلم القرآن، وبالحكمة التي أنزلها على قلبه، قد أنار الله بصيرته فعلمه علما كثيرا لم يكن يعلمه، وكان فضله بهذه الرسالة وبهذا القرآن وبهذه الحكمة وبهذا العلم النوراني الذي علمه إياه عظيما لا حدود لعظمته.
وإن هؤلاء الذين يسعون في الأرض فسادا كانوا يحاولون أن يضلوا النبي، لولا كتاب الله الذي أنزل عليه، وحكمته التي أوحى بها إليه، وما علمه من علم، وأن أمثالهم في كل زمان، وهم أجرأ على الحكام إذ لا هداية من السماء تنزل على الحاكمين، فلا حواجز تحجزهم عن السعاية بالشر، فعلى الحكام أن يأخذوا حذرهم منهم، ولا يجعلوا منهم ألسنة تحكي حال غيرهم، بل عليهم أن يقطعوها، والله من ورائهم محيط.
زهرة التفاسير
أبو زهرة