المعنى الجملي : بعد أن حذر الله المؤمنين من المنافقين أعداء الحق وأمرهم أن يستعدوا لمجاهدتهم خوف أن يطمسوا معالم الحق ويهلكوا أهله – أمرهم هنا أن يقوموا بحفظ الحق وألا يحابوا فيه أحدا.
روى ابن جرير عن قتادة : أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق وكان رجلا من الأنصار ثم أحد بني ظفر سرق درعا لعمه كان وديعة عنده ثم قذفها على اليهودي كان يغشاهم يقال له زيد بن السمين فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يهتف فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاؤوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم وكان نبي عليه الصلاة والسلام قد هم بقبول عذره حتى أنزل الله في شأنه ( ولا تجادل إلخ ) وكان طعمة قذف بها بريئا فلما بين الله شأن طعمة نافق ولحق بالمشركين بمكة فأنزل الله فيه ( ومن يشاقق الرسول ) الآية.
و بعد أن ذكر المختانين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول صلوات الله عليه عن الحق بين فضله ونعمته عليه فقال :
ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك أي إنه تعالى بفضله ورحمته عليكم صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلالك والهم بذلك لأنه إذا توجهت همتهم إلى التلبيس على شخص ومحاولة صرفه عن الحق احتاج إلى طائفة من الوقت لمقاومتهم وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم حتى تمحص الحقائق وينجلي الرشد من الغي فيضيع وقت هو أشد الحاجة إليه لصرفه في عمل نافع ومن ثم تفضل على نبيه صلى الله عليه وسلم ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه وزحزحته عن صراط الله الذي أقامه عليه.
و الخلاصة : إنه لولا فضل الله عليك بالنبوة والتأييد بالعصمة ورحمته لك ببيان حقيقة الواقع لهمت طائفة منهم أن يضلوك عن الحكم العادل المنطبق على حقيقة القضية في نفسها ولكنهم قبل أن يطمعوا في ذلك ويهموا به جاءك الوحي ببيان الحق وإقامة أركان العدل والمساواة فيه بين جميع الخلق.
وما يضلون إلا أنفسهم بانحرافهم عن الصراط السوي الذي هداهم الإسلام إليه.
وما يضرونك من شيء وقد عصمك الله من الناس ومن اتباع الهوى في الحكم بينهم.
وأنزل الله عليكم الكتاب والحكمة علمت مما سلف أن الكتاب هو القرآن والحكمة : فقه مقاصد الدين وأسراره ووجه موافقتها للفطرة وانطباقها على سنن الاجتماع البشري ومصالح الناس في كل زمان ومكان.
وعلمك ما لم تكن تعلم من الكتاب والشريعة وخصوصا ما تضمنته هذه الآيات من العلم بحقيقة الواقعة التي تخاصم فيها بعض المسلمين مع اليهودي.
وكان فضل الله عليك عظيما إذ أرسلك للناس كافة وجعلك خاتم النبيين واختصك بنعم كثيرة ومزايا لا تدخل تحت حصر فيجب أن تكون أعظم الناس شكرا له كما يجب على أمتك مثل ذلك ليكونوا خيرا أمة أخرجت للناس قدوة لغيرهم في جميع الخيرات.
تفسير المراغي
المراغي