(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ)، فقال تعالى في رده (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا).
وقال تعالى في آل عمر ان: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ)، فبين بالآيتين أن الذي أصابهم عقوبة لما كان منهم، وأنه عفا عنهم، وبين هاهنا أن من
أضاف ما أصابه من سوء في متوجهاته إلى النبي فقد أتى ببهتان وإثم.
قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)
كان همّهم أن يضلوه بشهادتهم للأنصاري أنه برئ مما قرن
به، ومسألتهم إياه أن يقوم بعذره، وقد تقدَّم الكلام في
الفرق بين الكلام والحكمة.
وذكر ابن بحر وجهين:
أحدهما: لولا فضل الله بما أنزله من الكتاب والحكمة لهّم
الكافرون بإضلاله وإدخاله معهم في عبادة الأصنام، لكن لما هداه
صاروا لا يضلونه، بل يضلون أنفسهم.
والثاني: أن الإِضلال عبارة عن الإِهلاك، كقول الشاعر:
فآب مضلوه بخمر جلبه... وغودر بالحولان حزم وقائل
أي لولا أن الله حرسك لهمَّ طائفة بإهلاكك، وما يهلكون بما
يفعلون إلا أنفسهم بما يكسبون لها من العذاب الدائم.
إن قيل: قد كانوا همُّوا بذلك فكيف قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ)؟
قيل: في ذلك جوابان:
أحدها: أن القوم كانوا مسلمين، ولم يهموا بإضلال النبي - ﷺ -، فقد كان عندهم على الصواب.
والثاني: أن القصد إلى نفي تأثير ما همُّوا به كقولك: فلان شتمك، وأهانك، لولا أني تداركت، تنبيهًا أن أثر فعله لم يظهر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء الرابعالكتاب: تفسير الراغب الأصفهاني
(من الآية ١١٤ من سورة النساء - وحتى آخر سورة المائدة)
تحقيق ودراسة: د. هند بنت محمد بن زاهد سردار
الناشر: كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] صفحة رقم 146
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار