قوله : إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ : فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوبٌ على الاستثناء من قوله :" إِنَّ المُنَافِقِينَ ".
الثاني : أنه مستثنًى من الضمير المجْرُورِ في " لَهُمْ ".
الثالث : أنه مبتدأ، وخبرُه الجملةُ من قوله : فأولئك مَعَ المُؤمنِينَ ، قيل : ودَخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ ؛ لشبه المبتدأ باسم الشرط، قال أبو البقاء١٣ ومكي١٤ وغيرُهما :" مَعَ المُؤمنينَ " خبرُ " أولَئِكَ "، والجملةُ خبر " إِلاَّ الَّذِينَ "، والتقدير : فأولئك مؤمنون مع المُؤمِنِينَ، وهذا التقديرُ لا تقتضيه الصناعةُ، بل الذي تقتضيه الصناعةُ : أن يُقَدَّر الخبرُ الذي يتعلَّق به هذا الظرف شيئاً يليقُ به، وهو " فأولئِكَ مُصَاحِبُونَ أو كائِنونَ أو مستقرُّون " ونحوه، فتقدِّرُه كوناً مطلقاً، أو ما يقاربه.
فصل
معنى الآية إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ : من النِّفَاقِ وآمَنُوا، " وأَصْلَحُوا " أعْمَالَهُم، " واعْتَصَمُوا باللَّهِ " ووثِقُوا باللَّهِ، وأخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ وأراد الإخلاَصِ بالقَلْبِ ؛ لأن النِّفَاقَ كُفْر القَلْبِ، فَزَوالُهُ يكُونُ بإخلاصِ القَلْبِ، فإذا حَصَلَت هذه الشُّرُوط، فِعنْدَها قال : فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، ولم يَقُلْ : فأولئَك مُؤمِنُون.
قال الفَرَّاء١٥ : معناه : فَأولَئِك من المُؤمِنِين.
قوله : وَسَوْفَ يُؤْتِ الله [ المُؤمِنينَ أجْراً عَظِيماً ] رُسِمَتْ " يُؤتِ " دون " يَاءٍ " وهو مضارعٌ مرفوع، فحقُّ يائه أن تثبت لفظاً وخَطَّاً، إلا أنها حذفتْ لفظاً في الوصل ؛ لالتقاء الساكنين [ وهما اليَاءُ في اللفظ واللام في الجلالة ] فجاءُ الرسمُ تابعاً للفظ، وله نظائرُ تقدَّم بعضها، والقراءُ يقفون عليه دون ياءٍ اتِّباعاً للرسْمِ، إلا يعقوب١٦، فإنه يقف بالياء ؛ نظراً إلى الأصل، ورُوي ذلك أيضاً عن الكسَائيِّ وحمزة، وقال أبو عَمْرو :" ينبغي ألاَّ يُوقفَ عليها ؛ لأنَّه إنْ وُقِفَ عليها كما في الرسْمِ دون ياء خالَفَ النحويين، وإن وقف بالياء خالَفَ رسْم المصْحَف "، ولا بأسَ بما قالَ ؛ لأن الوقْفَ ليس ضروريًّا، فإن اضْطُرَّ إليه واقفٌ ؛ لقَطْعِ نفس ونحوه، فينبغي أن يُتابعَ الرسمُ ؛ لأنَّ الأطرافَ قد كَثُر حَذفُهَا، ومِمَّا يشبه هذا الموضع قوله : وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ [ غافر : ٩ ] فإنه رسم " تَقِ " بقافٍ، دون هاءِ سكت، وعند النحويين : أنه إذا حُذِفَ من الفعل شيءٌ ؛ حتى لم يَبْقَ منه إلا حرفٌ واحدٌ، ووُقِفَ عليه، وجَبَ الإتيانُ بهاء السكت في آخره ؛ جَبْراً له ؛ نحو :" قِهْ " و " لَمْ يَقِهْ " و " عِهْ " و " لَمْ يَعِهْ "، ولا يُعْتَدُّ بحرف المضارعة ؛ لزيادته على بنية الكلمة، فإذا تقرَّر هذا، فنقول : ينبغي ألاَّ يُوقَفَ عليه ؛ لأنه إن وُقِفَ بغير هاءِ سكتٍ، خالف الصناعةَ النحويةَ، وإنْ وُقِفَ بهاء خالف رَسْمَ المُصْحف.
والمراد :" يؤتي الله المؤمنين " في الآخِرَةِ، " أجْراً عَظِيماً " [ يعني : الجَنَّة ]١٧.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود