إلا الذين تابوا عن النفاق وأصلحوا ما أفسدوا في سرائرهم وأعمالهم في حال النفاق، واعتصموا بالله أي : وثقوا به وتمسكوا به، دون أحد سواه، وأخلصوا دينهم لله لا يريدون بطاعته إلا وجه الله، ولا رياءً ولا سمعةً فأولئك مع المؤمنين في الدين. قال الفرَّاء : من المؤمنين، وقال العتبي : حاد عن كلامهم غيظًا عليهم، ولم يقل هم المؤمنون. ه. قلت : إنما قال : مع المؤمنين ولم يقل : منهم، لأن التخلص من النفاق صعب، ولا يكون من المؤمنين، حتى يتخلص من جميع شعبه، وهو عزيز، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه فهُوَ مُنَافقٌ، وإن صَامَ وصلَّى وزَعم أنه مُسلمٌ، من إذا حدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخلفَ، وإذا ائُتمِنَ خَانَ ".
وسوف يُؤت الله المؤمنين المخلصين أجرًا عظيمًا فيساهُمونَهم فيه إن تابوا وأصلحوا، فإن الله غني عن عذابهم.
قال بعضهم :[ لا ينبت الإخلاص في القلب ؛ حتى يَسقط من عين الناس، ويُسقط الناسَ من عينه ]. والإخلاص من أعمال القلوب، فلا يطَّلع عليه إلا علآَّم الغيوب، فلا يجوز أن يحكم على أحد بالرياء بمجرد ما يرى عليه من الإظهار، وقد تدخل الرياء مع الإسرار، وتتخلص من القلب مع الإظهار، وفي الحكم :" ربما دخل الرياءُ عليك حيث لا ينظر الخلق إليك ". فإذا تخلص العبد من دقائق الرياء، وأصلح ما بينه وبين الله واعتصم به دون شيء سواه، كان مع المخلصين المقربين ؛ فيكون عمله موفورًا، وسعيه مشكورًا. وبالله التوفيق. طهَّرَ العَينَ بالمَدامِعِ سَكبًا مِن شُهُودِ السَّوى تَزُل كلُّ عِلَّه
وقد تكلم في الإحياء على هذه الآية فقال : إنما كان المنافقون في الدرك الأسفل ؛ لأنهم جحدوا بعد العلم، وإنما تضاعف عذاب العالم في معصيته ؛ لأنه عَصَى عن علم. قلت : وافهم منه قوله صلى الله عليه وسلم في أبي طالب " وَلَولاَ أنَا لَكَانَ فِي الدَّركِ الأسفلَ مِنَ النَّارِ " وذلك لإعراضه مع العلم. وقال في الإحياء أيضًا : شدَّد أمر المنافقين ؛ لأن الكافر كفرَ وأظهَرَ، والمنافق كفر وستر، فكان ستره لكفره كفرًا آخر، لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظَّم أمر المخلوقين. هـ. والحاصل : أن التشديد في الرياء والنفاق ؛ لِمَا في ذلك من تعظيم نظر الخلق على نظر الخالق، فكان أعظمَ من الكفر الصريح. هـ. من الحاشية.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي