ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا١٤٢ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا١٤٣ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا١٤٤ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا١٤٥ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما١٤٦ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما١٤٧ .
اتصال هذه الآيات بما قبلها ظاهر فإنها تتمة الكلام في المنافقين الذين كثر في هذه السورة بيان أحوالهم هم وأهل الكتاب وباقيها في بيان أحوال أهل الكتاب اليهود والنصارى جميعا ومحاجتهم إلا الآية الأخيرة.
إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله استثنى الله تعالى من ذلك الجزاء الشديد الذي أعده للمنافقين من تابوا من النفاق والكفر بالندم على ما كان منهم مع تركه والعزم على عدم مفارقته وعززوا هذه التوبة بثلاثة أمور :
أحدها : الإصلاح وهو إنما يكون بالاجتهاد في أعمال الإيمان التي تغسل ما تلوثت به النفس من أعمال النفاق كالتزام الصدق والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والأمانة التامة، والوفاء، وإقامة الصلاة بالخشوع والحضور، ومراقبة الله تعالى وما أشبه ذلك.
ثانيها : الاعتصام بالله، وهو إنما يكون بالتمسك بكتابه، تخلقا بأخلاقه وتأدبا بآدابه، واعتبارا بمواعظه، ورجاء في وعده، وخوفا من وعيده، وانتهاء عن منهياته، وائتمارا بأوامره، بحسب الاستطاعة، قال تعالى في سورة آل عمران : واعتصموا بحبل الله [ آل عمران : ١٠٣ ] وقال في سورة المائدة : يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا* فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما [ النساء : ١٧٥ ] أي اعتصموا بهذا النور الذي أنزل إليهم وهو القرآن المجيد، وهو حبل الله في الآية الأخرى.
ثالثها : إخلاص الدين لله عز وجل بأن يتوجه إليه وحده فلا يدعى من دونه أحد، ولا يدعى معه أحد، لا لكشف ضر ولا لجلب نفع، ولا يتخذ من دونه أولياء يجعلون وسطاء عنده، بل يكون كل ما يتعلق بالدين والعبادة وأعظمها وأهم أركانها الدعاء خالصا له وحده، لا تتوجه فيه النفس إلى غيره ولا يسأل اللسان سواه، ولا يستعان فيما وراء الأسباب العامة بين البشر بمن عداه إياك نعبد وإياك نستعين .
هذا هو أهم ما يقال في إخلاص الدين لله. قال تعالى : فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون. إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [ الزمر : ٣ ].
فالمنافقون في الدرك الأسفل من الهاوية إلا من استثني.
فأولئك مع المؤمنين أي فأولئك التائبون، الذين هم لتلك الأعمال عاملون، يكونون مع المؤمنين لأنهم منهم، يؤمنون إيمانهم ويعملون عملهم، ثم يجزون جزاءهم، وهو ما عظم الله تعالى شأنه بقوله : وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما أي سوف يعطيهم في الآخرة أجرا لا يعرف أحد كنهه، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [ السجدة : ١٧ ].

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير