ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

١٦ قوله تعالى : فآذوهما :
اختلف في ذلك الإذاء، ما هو ؟ فقال عبادة والسدي(١) هو التعيير والتوبيخ. وقيل : هو السب والجفاء دون تعيير. وقال ابن عباس(٢) : هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، فثبت بالآية الأولى أن حكم الزنا الإمساك في البيوت حتى يموتوا(٣)، وثبت بالآية بعدها(٤) أن الحكم فيهن الإذاية على ما قدمناه، والأولى منسوخة باتفاق. والثانية أيضا منسوخة إلا في قول من قال : إن الأذى والتعيير باقيان مع الجلد، لأنهما لا تعارض بينهما فلا يقع فيهما نسخ. وقد(٥) اختلف في كيفية ترتيب النسخ في هاتين الآيتين على أقوال ثمانية، وقيل : إن الآية الأولى في المحصنين والآية الثانية في البكرين ورجح الطبري هذا القول وهو قول حسن لولا أن لفظ الآية ينبو عنه فيضعف، لأن قوله(٦) : والتي لا يعطي إلا(٧) النساء خاصة، والمؤنث لا يغلب على المذكر إلا في موضعين ليس هذا منهما إلا أن يريد أن اللفظ إنما هو للنساء خاصة ثم دخل الرجال في ذلك الحكم حملا لهم على النساء ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام(٨) : " من أعتق شركا له في عبد " (٩)، فلحقت به الأمة في ذلك من غير أن يقال اللفظ جامع للرجال والنساء. وقد اختلف في تسمية مثل هذا قياسا وقرأ ابن مسعود : والذين يفعلون منكم ، وعلى هذا القول(١٠) لا يصح أن تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. لاختلاف الحكمين والمحكوم فيهما وتكون الآية الأولى(١١) منسوخة بأحد أمرين إما بالرجم المتواتر نقله المنسوخ في القرآن تلاوته على قول من ذهب إلى ما روى عن عمر ابن الخطاب(١٢) من قوله(١٣) : " الثيب والثيبة إذا زنيا فارجموهما البتة " (١٤)، وأنه كان قرآنا فنسخ تلاوته وبقي حكمه. وقد أنكر هذا قوم وسيأتي الكلام عليه في سورة النور إن شاء الله تعالى(١٥). أو بقول الله عز وجل : ويدرأ عنها العذاب أن تشهد الآية [ النور : ٨ ]، لأن العذاب المذكور في الآية الرجم على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكون الآية الثانية(١٦) منسوخة بقوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة الآية [ النور : ٢ ]. وقيل : إن الآيتين في الزانيين البكرين، وقيل : في الزانيين المحصنين(١٧)، وقيل : هما عامتان في الصنفين والضعف الذي ذكرناه في القول الأول داخل في هذه الأقوال. ولا بد على كل واحدة من هذه الثلاثة الأقوال(١٨) أن تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. وقد اختلف في ذلك على قولين، أحدهما : أن الأولى منسوخة بالثانية، وهو قول عبادة(١٩) والحسن ومجاهد، وقيل : إن الثانية منسوخة بالأولى ولكن التلاوة أخرت وقدمت ذكره ابن فورك(٢٠) ورجحه بعضهم. ثم إن الناسخة في الآيتين لا بد أن يكون منسوخا على القول بأن الآيتين جميعا منسوختان فعلى القول الأول(٢١) بأنها في الأبكار خاصة(٢٢)، يكون الناسخ قوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا الآية [ النور : ٢ ]، لأنها إنما هي في الأبكار على القول / المشهور. وعلى القول بأنهما في المحصنين يكون الناسخ إحدى الآيتين التي قدمنا ذكرهما في الرجم(٢٣)، وعلى القول بأنهما في الصنفين يكون الناسخ آية الجلد وآية الرجم، وقيل : الآية الأولى في النساء خاصة المحصنات كن أو غير محصنات والآية الثانية في الرجال(٢٤)خاصة وبين لفظ التثنية صنفي الرجال فيمن أحصن وفيمن لم يحصن(٢٥)، فكانت عقوبة النساء الحبس وعقوبة الرجال الأذى، ولم تكن إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. ثم نسخ ذلك في آيتي الجلد والرجم، وهو قول مجاهد. وروي عن ابن عباس(٢٦) : وهذا القول في الآية عندي أحسن الأقوال وأصح على القوانين العربية ويؤيده من جهة اللفظ : قوله في الأولى : من نسائكم وقوله في الثانية : منكم ، فالذي يتحصل في هاتين الآيتين ثمانية أقوال.
قوله تعالى : فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما :
أمر بكف الأذى عنهما بعد التوبة، ولا خلاف بين أحد من أهل(٢٧) العلم أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهداء، رجال عدول، وعلى معاينة الفعل كالمرود في المكحلة، والأصل في ذلك قوله تعالى : والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم [ النساء : ١٥ ]، وقوله : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء [ النور : ٤ ]، وقد حكي عن قوم أنهم أجازوا شهادة(٢٨) ثلاثة رجال وامرأتين. وحكي عن البتّي(٢٩) وهو غلط ؛ لقوله تعالى : أربعة منكم ، وهو يخاطب الرجال. واختلف(٣٠) هل من شرط الشهادة في ذلك أن تكون في مجلس واحد فلا تقبل شهادتهم إذا كانوا متفرقين أم ليس من شرطها ذلك. وتقبل الشهادة إذا جاء الشهداء مجتمعين أو متفرقين على قولين في المذهب. والآية حجة لمن يرى ذلك، لأن الله تعالى لم يذكر في الشهداء الأربعة افتراقا ولا اجتماعا، فيحمل على عمومه حتى يقوم الدليل على غير ذلك. واختلف في اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا هل يقام عليهما الحد كما يقام على المسلمين ؟ فذهب مالك(٣١) ومن تابعه إلى أنهما(٣٢) لا يقام عليهما الحد، ولكن يؤذيان إذا أعلنا ذلك. وذهب أبو حنيفة(٣٣) والشافعي(٣٤) إلى أنهما يرجمان إن كانا محصنين ويجلدان إن كان بكرين، والحجة عليهما قوله تعالى : والتي يأتين الفاحشة من نسائكم ، فدل على أن ما عداهن بخلافهن.

١ "والسدي" ساقط في (ب) و(ج) و(د)..
٢ "وقال ابن عباس" ساقط في (د)..
٣ لعله "يمتن"..
٤ في غير (هـ): "بعدهما"..
٥ "قد": ساقطة في (د) و(هـ)..
٦ في (د): "تعالى"..
٧ "إلا" ساقطة في (د)، والصواب ما أثبتناه..
٨ في (د) و(هـ): "عليه السلام"..
٩ انظر: صحيح البخاري: كتاب الشركة، باب٥، ص ١١١، كتاب العتق: باب ٤، ص١١٧، وصحيح مسلم: وكتاب العتق: حديث رقم ١٠٣٩..
١٠ "القول" ساقط في (ب) و(د)..
١١ "الأولى" ساقطة في (ب) و(د)..
١٢ في (ج): "عمر ابن الخطاب رضي الله عنه"..
١٣ "من قوله" ساقط في كل من (ج) و(د) و(هـ)..
١٤ صحيح البخاري: كتاب التفسير، تفسير سورة النساء في الترجمة، وسنن أبي داود: كتاب الحدود، باب في الرجم..
١٥ سقطت كلمة "في" (هـ)..
١٦ في (د): "الأولى" وفي (هـ): "الأخرى"..
١٧ "لمحصنين" ساقط في (ب)..
١٨ "هذه ثلاثة أقوال" ساقط في (هـ)..
١٩ هو عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد، صحابي من الموصوفين بالورع. شهد العقبة وبدر وسائر المشاهد، ثم حضر فتح مصر، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين، روى ١٨١ حديثا، واتفق البخاري ومسلم على ستة منها، وكان من سادات الصحابة، ولد سنة ق. ٣٨هـ / ٥٨٢م، وتوفي سنة ٣٤ هـ / ٦٥٤م، انظر: الأعلام: ج ٤، ص ٣٠، الإصابة: ج ٢، ص ٢٦٨..
٢٠ هو بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء: هو أبو بكر محمد ابن الحسين ابن فورك متكلم الأصولي الأديب النحوي، الواعظ الأصفهاني بلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريبا من مائة مصنف، توفي سنة ٤٠٦ هـ، ودفن بالحيرة (بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وفتح الراء) وهي محلة كبيرة بنيسابور. ابن خلكان: ج١، ص ٤٨٣..
٢١ قوله: "يكون منسوخا..." القول الأول كله ساقط في (ج) و(د)..
٢٢ "بأنها في الأبكار خاصة" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
٢٣ "وعلى القول بأنهما في المحصنين يكون الناسخ في إحدى الآيتين التي قدمنا ذكرهما في الرجم" ساقط في (ب)..
٢٤ في (هـ): "النساء"..
٢٥ في (هـ): "كمن أحصن ومن لم يحصن"..
٢٦ هو عبد الله بن عبد المطلب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعد خبر الأمة من الذين اشتهروا بتبحرهم في العلم، توفي سنة ٦٨ هـ/٦٨٧م، انظر: الأعلام: ج٤، ص ٢٢٨ – ٢٢٩..
٢٧ في (ه): "لا خلاف بين أهل العلم"..
٢٨ كلمة "شهادة" ساقطة في (ج)..
٢٩ "البتي" بياض في (د)، والبتي هو: أبو عمرو بن سليمان بن جرموز البتي مولى بني زهرة. توفي سنة ١٤٣ هـ. انظر: طبقات ابن سعد: ج٧، ص ٢٥٧، وطبقات الفقهاء: ص٩١..
٣٠ "واختلف" ساقط في (ب)..
٣١ هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وصاحب كتاب الموطأ وإليه تنسب المالكية، ولد سنة ١٩٣هـ / ٧١٢م، وتوفي سنة ١٧٩هـ / ٧٩٠م. انظر: الأعلام: ج١، ص ١٢٨..
٣٢ في (د): "أنه"..
٣٣ هو النعمان بن ثابت التميمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة، إمام الحنفية وأحد الأئمة الأربعة، وقيل: أصله من فارس، ولد سنة ٨٠هـ/ ٦٩٩م، وتوفي سنة ١٥٠هـ/ ٧٦٧م، بالسجن حبسه المنصور العباسي لأنه رفض القضاء ببغداد. انظر: الأعلام: ج٩، ص ٤-٥..
٣٤ هو الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي، أحد أئمة المذاهب الأربعة، ولد سنة ١٥٠هـ / ٧٦٧م، وتوفي سنة ٢٠٤هـ / ٨٢٠م، صاحب كتاب "الأم" وكتاب "الرسالة". انظر: الأعلام: ج ٦، ص٢٤٩، وكذلك دائرة المعارف لبطرس البستاني: ج١٠، ص٣٩٠..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير