المعنى الجملي : بعد أن أوصى سبحانه بالإحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالمعروف والمحافظة على أموالهم وعدم أخذ شيء منها إلا إذا طابت نفسهن بذلك – ذكر هنا التشديد عليهن فيما يأتينه من الفاحشة وهو في الحقيقة إحسان إليهن إذ الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب وأخرى بالزجر والعقاب لكف العاصي عن العصيان الذي يوقعه في الدمار والبوار ومبنى الشرائع على العدل والإنصاف والابتعاد عن طرفي الإفراط والتفريط.
ومن أقبح العصيان الزنى ولاسيما من النساء لأن الفتنة بهن أكثر والضرر منهن أخطر لما يفضي إليه من توريث أولاد الزنى وانتسابهم إلى غير آبائهم.
ثم بين عقاب كل من الزانيين فقال :
واللذان يأتيانها منكم فآذوهما أي والزاني والزانية اللذان يرتكبان جريمة الزنى آذوهما بالتأنيب والتوبيخ بعد ثبوت ذلك بشهادة أربعة من الرجال.
و هذا العقاب كان أول الإسلام من قبيل التعزير وأمره مفوض إلى الآمة في كيفيته ومقداره فلما نزلت آية النور التي تقدم ذكرها وجاء الحديث الشريف السابق بينا مقدار هذا الإيذاء وحدداه وبهما استبيان أن عقاب الثيب والرجل المتزوج الرجم بالحجارة حتى يموتا وعقاب البكر والرجل الذي لم يتزوج جلد مائة ونفيه سنة.
ثم بين لأن هدا العقاب غنما يكون إذا لم يتوبا وأصلحا رفع عنهما ذلك فقال :
فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما أي فإن رجعا عن الفاحشة وندما على ما فات وأصلحا عملهما وغيرا أحوالهما كما هو شأن المؤمن يطهر نفسه بالإقبال على الطاعة ويزكيها من أردان المعاصي التي فرطت منه ويقوي داعية الخير حتى تغلب داعية الشر فكفروا عن أذاهما بالقول والفعل ثم علل الأمر بالإعراض عنهما بقوله :
إن الله كان توابا رحيما التواب الذي يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه والرحيم واسع الرحمة والجملة جاءت تعليلا للأمر بالإعراض والخطاب هنا لأولي الأمر والحكام.
تفسير المراغي
المراغي