قال البقاعي في تفسيره :( نظم الدرر، في تناسب الآيات والسور ) بعد تفسير الآيات السابقة مبينا وجه الاتصال بينها وبين هذه الآيات ما نصه :" ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء، وكان الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب وتارة يكون بالزجر والعقاب لأن مدار الشرائع على العدل، والإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط، ختم سبحانه بإهانة العاصي، وكان إحسانا إليه بكفه عن الفساد، لئلا يلقيه ذلك إلى الهلاك أبد الآباد، وكان من أفحش العصيان الزنا وكان الفساد في النساء أكثر، والفتنة بهن أكبر، والضرر منهن أخطر، وقد يدخلن على الرجال من يرث منهم من غير أولادهم قدمهن فيه اهتماما بزجرهن " اهـ.
وأقول : وجه الاتصال إن هاتين الآيتين في بعض الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء كالتي قبلهما، وقد تقدم القول في كون آي الإرث وردت في سياق أحكام النساء حتى جعل إرث الأنثى فيها أصلا أو كالأصل يبنى غيره عليه ويعرف به [ راجع تفسير ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) في ج ٤ من تفسيره ] وكان الكلام قبلهما في توريث النساء كالرجال والقسط فيهن وعدد ما يحل منهن مع العدل، فلا غرو إذا جاء حكم إتيانهن الفاحشة بعدما ذكر مقدما على حكم إتيان الرجال الفاحشة وجعل ذلك بين ما تقدم وبين حكم ما كانت عليه الجاهلية من إرث النساء كرها وعضلهن لأكل أموالهن وحكم ما يحرم منهن في النكاح، وقد أحسن البقاعي في توجيه الاهتمام بتقديم ذكر النساء هنا بعلاقته بالإرث على رأي الجمهور في تفسير الفاحشة بالزنا الذي يفضي إلى توريث ولد الزنا ولكننا لا نسلم له أن الفساد في النساء أكثر منه في الرجال بل الرجال أكثر جرأة على الفواحش وإتيانا بها، ولو أمكن احصاء الزناة والزواني لعرف ذلك كل أحد.
قال تعالى :( واللذان يأتيانها منكم ) أي يأتيان الفاحشة وهي هنا الزنا في قول الجمهور واللواط في قول بعضهم وعليه أبو مسلم والأمران معا في قول ( الجلالين )، والمراد بالتثنية في الأول الزاني والزانية بطرق التغليب، وفي الثاني الفاعل والمفعول به بجعل القابل كالفاعل، وفي الثاني الزاني واللائط ولا تجوز فيه ( فآذوهما ) بعد ثبوت ذلك بشهادة الأربعة كما يؤخذ من الآية الأولى. روي عن ابن عباس رضي الله عنه تفسير الإيذاء بالتعبير والضرب بالنعال، وعن مجاهد وقتادة والسدي تفسيره بالتعبير والتوبيخ فقط. فإذا كانت هذه الآية قد نزلت قبل آية سورة النور، وكان المراد بها الزنا كما هو قول الجمهور، فالعقاب كان تعزيرا مفوضا إلى الأمة، وإلا جاز أن يراد بالإيذاء الحد المشروع نفسه. والظاهر أن آية النور نزلت بعد هذه وهي مبينة ومحددة للإيذاء هنا على القول بأن ما هنا في الزنا، وإلا فتلك خاصة بحكم الزنا لأنها صريحة فيه، وهذه خاصة باللواط، ولذلك اختلف الصحابة ومن بعدهم في عقاب من يأتيه، وهذا ما اختاره أبو مسلم وتخصيصه الفاحشة في هذه الآية باللواط الذي هو استمتاع الرجل بالرجل والفاحشة فيما قبلها بالسحاق الذي هو استمتاع المرأة بالمرأة هو المناسب لجعل تلك خاصة بالنساء وهذه خاصة بالذكور. فهذا مرجح لفظي يدعمه مرجح معنوي وهو كون القرآن عليه ناطقا بعقوبة الفواحش الثلاث، وكون هاتين الآيتين محكمتين. والأحكام أولى من النسخ حتى عند الجمهور القائلين به. وستأتي تتمة هذا البحث.
( فإن تابا ) رجعا عن الفاحشة وندما على فعلها ( وأصلحا ) العمل كما هو شأن المؤمن يقبل على الطاعة بعد العصيان ليطهر نفسه ويزكيها من درنه ويقوي فيها داعية الخير على داعية الشر ( فأعرضوا عنهما ) أي كفوا عن إيذائهما بالقول والفعل ( إن الله كان توابا رحيما ) أي مبالغا في قبول التوبة من عباده، شديد الرحمة بهم وإنما شرع العقاب لينزجر العاصي ولا يتمادى فيما يفسده فيهلك ويكون قدوة في الشر والخبث ( وراجع تفسير التواب الرحيم في ج ٢ تفسير ).
وفد فسر السبيل بعضهم بالزواج كأن يسخر الله للمرأة المحبوسة رجلا آخر يتزوجها. وقد وافق الجلال الجمهور في الأولى وخالفهم في الثانية فقال : إنها في الزنا واللواط معا، ثم رجح أنها في اللواط. فتكون الأولى منسوخة على رأيه والثانية غير منسوخة. وخالف الجمهور أبو مسلم في الآيتين فقال : إن الأولى في المساحقات والثانية في اللواط فلا نسخ. وحكمة حبس المساحقات على هذا القول هو أن المرأة التي تعتاد المساحقة تأبى الرجال وتكره قربهم- أي فلا ترضى أن تكون حرثا للنسل- فتعاقب بالإمساك في البيت والمنع من مخالطة أمثالها من النساء إلى أن تموت أو تتزوج.
أقول : والأولى أن يقال إلى أن تموت أو تكره السحاق وتميل إلى الرجال فتقبل على بعلها إن كانت متزوجة وتتزوج إن كانت أيما. وقال في إسناده جعل السبيل لها إلى الله تعالى إشارة إلى عسر النزوع عن هذه العادة الذميمة والشفاء منها حتى بالترك الذي هو أثر الحبس فكأنها لا تزول إلا بعناية خاصة منه تعالى.
( قال ) : واعترض على أبي مسلم بأن تفسير الفاحشة في الآية الأولى لم يقل به أحد وبأن الصحابة اختلفوا في حد اللواط. فأجاب عن الأول بأن مجاهدا قال به ـ وناهيك بمجاهد ـ وبأنه ثبت في الأصول أنه يجوز للعالم أن يفسر القرآن ويفهم منه ما لم يكن مرويا عن أحد، بشرط أن لا يخرج بذلك عن مدلولات اللغة العربية في مفرداتها وأساليبها. وأجاب عن الثاني بأن الصحابة إنما اختلفوا في حد اللواط وهذا لا يمنع كون الآية نزلت في العقوبة عليه وهي لا حد فيها. وما يجاب به عن أبي مسلم أن الصحابة ما كانوا يجلسون لتفسير القرآن إلا عند الحاجة وإنما كانوا يتدارسونه ويتدبرونه للاهتداء والاتعاظ وهم يفهمونه لأنه نزل بلغتهم، فإذا سألهم سائل عن تفسير آية ذكروا له تفسيرها وقد يسكتون عن حكم الشيء السنين الطوال لعدم وقوعه، فإذا وقعت الواقعة ذكروا حكمها، فإذا جاء في القرآن حكم السحاق ولم نجد عندنا رواية عن الصحابة فيه ولا حكما منهم على امرأة بالحبس لأجله علمنا أن سبب هذا وذاك هو أنه لم يقع في زمنهم. ويشهد به أربعة منهم وإذا كان القرآن يضع عقابا على فاحشة أو جريمة فيمتنع عنها أهل الإيمان. فلا تقع أولا تظهر فيهم ولا تثبت على أحد فهذا مما نحمد الله تعالى عليه ونحمد المؤمنين والمؤمنات، ولا نعده من المستحيلات، فالحق أن ما ذهب إليه أبو مسلم هو الراجح في الآيتين.
( قال ) : وبحثوا في جمع اللاتي يأتين الفاحشة وتثنية اللذين يأتيانها وعدوه مشكلا، وما هو بمشكل، بل نكتته ظاهرة وهي أن النساء لما كن لا يجدن من العار في السحاق ما يجده الرجل في إتيان مثله، كانت فاحشة السحاق مظنة الشيوع والإظهار بين النساء، وفاحشة اللواط مظنة الإخفاء حتى لا تكاد تتجاوز اللذين يأتيانها. ففي التعبير بصيغة المثنى إشارة إلى ذلك وتقدير لكون فاحشة اللواط عارا فاضحا يتبرأ منه كل ذي فطرة سليمة. ويجوز أن يكون اختلاف التعبير بالجمع والتثنية من باب التنويع فذلك معهود في الكلام البليغ مع الأمن من الاشتباه.
وقال الأستاذ الإمام في هاتين الآيتين ما ملخصه : اختلف المفسرون في الآيتين فالجمهور على أنهما في الزنا خاصة، ولأجل الفرار من التكرار قالوا إن الآية الأولى في المحصنات أي الثيبات، فهن اللواتي كن يحبسن في البيوت إذا زنين حتى يتوفاهن الموت، والثانية في غير المحصنين والمحصنات أي في الأبكار، ولهذا كان العقاب فيها أخف. وعلى هذا يكون الزاني المحصن مسكوتا عنه. والآيتان على هذا القول منسوختان بالحد المفروض في سورة النور، وهو السبيل الذي جعله الله للنساء اللواتي يمسكن في البيوت. ولكن يبقى في نظم الآية شيء وهو أن كلا من توفي الموت ومن جعل السبيل قد جعل غاية للإمساك في البيوت بعد وقوعه، فعلى هذا لا يصح تفسير السبيل بإنزال حكم جديد فيهن، إذ يكون المعنى على هذا التفسير فأمسكوهن في البيوت إلى أن يمتن أو ينزل الله فيهن حكما جديدا.
وفد فسر السبيل بعضهم بالزواج كأن يسخر الله للمرأة المحبوسة رجلا آخر يتزوجها. وقد وافق الجلال الجمهور في الأولى وخالفهم في الثانية فقال : إنها في الزنا واللواط معا، ثم رجح أنها في اللواط. فتكون الأولى منسوخة على رأيه والثانية غير منسوخة. وخالف الجمهور أبو مسلم في الآيتين فقال : إن الأولى في المساحقات والثانية في اللواط فلا نسخ. وحكمة حبس المساحقات على هذا القول هو أن المرأة التي تعتاد المساحقة تأبى الرجال وتكره قربهم- أي فلا ترضى أن تكون حرثا للنسل- فتعاقب بالإمساك في البيت والمنع من مخالطة أمثالها من النساء إلى أن تموت أو تتزوج.
أقول : والأولى أن يقال إلى أن تموت أو تكره السحاق وتميل إلى الرجال فتقبل على بعلها إن كانت متزوجة وتتزوج إن كانت أيما. وقال في إسناده جعل السبيل لها إلى الله تعالى إشارة إلى عسر النزوع عن هذه العادة الذميمة والشفاء منها حتى بالترك الذي هو أثر الحبس فكأنها لا تزول إلا بعناية خاصة منه تعالى.
( قال ) : واعترض على أبي مسلم بأن تفسير الفاحشة في الآية الأولى لم يقل به أحد وبأن الصحابة اختلفوا في حد اللواط. فأجاب عن الأول بأن مجاهدا قال به ـ وناهيك بمجاهد ـ وبأنه ثبت في الأصول أنه يجوز للعالم أن يفسر القرآن ويفهم منه ما لم يكن مرويا عن أحد، بشرط أن لا يخرج بذلك عن مدلولات اللغة العربية في مفرداتها وأساليبها. وأجاب عن الثاني بأن الصحابة إنما اختلفوا في حد اللواط وهذا لا يمنع كون الآية نزلت في العقوبة عليه وهي لا حد فيها. وما يجاب به عن أبي مسلم أن الصحابة ما كانوا يجلسون لتفسير القرآن إلا عند الحاجة وإنما كانوا يتدارسونه ويتدبرونه للاهتداء والاتعاظ وهم يفهمونه لأنه نزل بلغتهم، فإذا سألهم سائل عن تفسير آية ذكروا له تفسيرها وقد يسكتون عن حكم الشيء السنين الطوال لعدم وقوعه، فإذا وقعت الواقعة ذكروا حكمها، فإذا جاء في القرآن حكم السحاق ولم نجد عندنا رواية عن الصحابة فيه ولا حكما منهم على امرأة بالحبس لأجله علمنا أن سبب هذا وذاك هو أنه لم يقع في زمنهم. ويشهد به أربعة منهم وإذا كان القرآن يضع عقابا على فاحشة أو جريمة فيمتنع عنها أهل الإيمان. فلا تقع أولا تظهر فيهم ولا تثبت على أحد فهذا مما نحمد الله تعالى عليه ونحمد المؤمنين والمؤمنات، ولا نعده من المستحيلات، فالحق أن ما ذهب إليه أبو مسلم هو الراجح في الآيتين.
( قال ) : وبحثوا في جمع اللاتي يأتين الفاحشة وتثنية اللذين يأتيانها وعدوه مشكلا، وما هو بمشكل، بل نكتته ظاهرة وهي أن النساء لما كن لا يجدن من العار في السحاق ما يجده الرجل في إتيان مثله، كانت فاحشة السحاق مظنة الشيوع والإظهار بين النساء، وفاحشة اللواط مظنة الإخفاء حتى لا تكاد تتجاوز اللذين يأتيانها. ففي التعبير بصيغة المثنى إشارة إلى ذلك وتقدير لكون فاحشة اللواط عارا فاضحا يتبرأ منه كل ذي فطرة سليمة. ويجوز أن يكون اختلاف التعبير بالجمع والتثنية من باب التنويع فذلك معهود في الكلام البليغ مع الأمن من الاشتباه.
تفسير المنار
رشيد رضا