إنما التوبة أي الرجوع عن إرادة العذاب بالمغفرة أو قبول التوبة على الله أي كالمتحتم عليه بمقتضى وعده للذين يعملون السوء متلبسين بجهالة قال البغوي : قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل، وكذا أخرج ابن جرير عن أبي العالية، وقال الكلبي : لم يجهل أنه ذنب لكنه جهل عقوبته، وقيل : معنى الجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، قلت : معنى الجهالة ذهوله عن عذاب الله عند ثوران النفس وغلبته الشهوة البهيمية أو السبعية ثم يتوبون من قريب من للتبعيض أي يتوبون في أي جزء من الزمان القريب، قيل : معنى القريب قبل أن يحيط السوء بحسناته فحبطها، وقيل : قبل أن يتوب في قلوبهم حبه فيطبع عليها ويرين السوء على قلبه، وقال السدي والكلبي : القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته، والصحيح أن المراد به في حياته قبل حضور الموت ومعاينة ملائكة العذاب كذا قال عكرمة والضحاك ويدل عليه قوله تعالى : حتى إذا حضر أحدهم الموت قوله عليه الصلاة والسلام :" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " (١) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابن عمر والحديث صحيح، وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الشيطان قال : وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بن آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال له ربه فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني " رواه أحمد وأبو يعلى، وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " (٢) رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه " (٣) رواه مسلم، سمى الله تعالى مدة العمر قريبا نظرا إلى ما بعده قال الله تعالى : قل متاع الدنيا قليل (٤) فأولئك يتوب الله عليهم لاستحالة الخلف فيما وعد الله سبحانه وجعل على نفسه كالمتحتم، فهذه الجملة كالنتيجة لما سبق وكان الله عليما يعلم المخلص في التوبة حكيما لا يعاقب بعد التوبة.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة (٢٧٥٩)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٢٧٠٣)..
٤ سورة النساء، الآية: ٧٧..
التفسير المظهري
المظهري