ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ١٧ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( النساء : ١٧-١٨ ).
م١٥
المعنى الجملي : لما ذكر سبحانه أن من تاب وأصلح تركت عقوبته وأزيل الأذى عنه وأنه هو التواب الذي يقبل التوبة عن عباده –ذكر هنا وقت التوبة وشرط قبولها ورغبته في تعجيلها حتى لا يأتي الموت وهو مصر على الذنب فلا تنفعه التوبة وأرشد أولياء الأمر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم وتأديبهم فأمر هنا بالإعراض عن أذى من تاب وأصلح العمل بعد أن فرض عقوبة مرتكبي الفواحش في الآية السالفة فهذه شرح لذلك الإصلاح في العمل.
الإيضاح : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب السوء : هو العمل القبيح الذي يسوء فاعله إذا كان سليم الفطرة وهذا شامل للصغائر والكبائر والجهالة : الجهل وتغلب السفه على النفس عند ثورة الشهوة أو سورة الغضب حتى يذهب عنها الحلم وتنسى الحق وكل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة كما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ( يوسف : ٣٣ ) وقال تعالى لنوح : فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( هود : ٤٦ ).
و سر هذا أن العاصي لربه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية إذ هو لا يرتكبها إلا جاهلا بحقيقة الوعيد ومنتظرا لاحتمال العفو والمغفرة أو شفاعة الشفعاء التي تصد عنه العقاب.
و الزمن القريب : هو الوقت الذي تسكن به ثورة الشهوة أو تنكسر به حدة الغضب ويثوب فاعل السيئة إلى حلمه ويرجع إليه دينه وعقله إذ من كان قوي الإيمان لا تقع منه المعصية إلا عن بادرة غضب أو شهوة هفوة بعد هفوة ثم لا يلبث أن يبادر إلى التوبة ومن ثم ذكر الله السوء بلفظ الإفراد هنا وقال فيمن لا تقبل توبتهم يعملون السيئات إشعارا بأن التوبة إنما تقبل ممن تقع منهم الذنوب آحادا ويلمون بها إلماما ولكنهم لا يصرون عليها بل يبادرون إلى التوبة منها فلا تتمكن من أنفسهم ظلمة المعصية ولا تحيط بهم الخطيئة.
وما رواه أحمد عن ابن عمر في قوله صلى الله عليه وسلم :" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " فالمراد منه أنه لا ينبغي لأحد أن يقنط من رحمة الله وييأس من قبول التوبة ما دام حيا وليس معناه أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب إذا هو تاب قبل الموت بساعة فإن هذا مخالف لهدي الدين في مثل قوله : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ( طه : ٨٢ ) ولمثل قوله : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ( غافر : ٧ ).
و قد قسموا التوابين طبقات :
( ١ ) من هو سليم الفطرة عظيم الاستعداد للخير فهو إذا وقع في خطيئة مرة كان له منها أكبر عبرة فيندم بعدها ويحمل نفسه على الفضيلة ويصرفها عن كل رذيلة.
( ٢ ) من تكون داعية الشهوة أقوى في نفسه وأرسخ في قلبه فإذا أطاع نفسه وارتكب معصية قامت الخواطر الإلهية تحاربه وتوبخه حتى تنتصر عليه وتقهره قهرا تاما فلا يعود بعدها إلى اجتراح إثم ولا وقوع في ذنب.
( ٣ ) من تقوى نفسه بالمجاهدة على اجتناب كبار الإثم والفواحش لا على صغار الذنوب والآثام وهناك تكون الحرب في نفوسهم سجالا بين ما يلمون به من الصغائر وبين الخواطر الإلهية التي هي جند الإيمان.
( ٤ ) من يقع في الذنب فيتوب ويستغفر ثم يعرض له مرة أخرى فيعود إليه ثم يلوم نفسه ويندم ويستغفر وهلم جرا وهؤلاء أدنى طبقات التوابين والنفس الباقية أرخص عندهم من النفس الفانية وهم في ذلك محل للرجاء لأن لهم زاجرا من أنفسهم يذكرهم دائما بالرجوع إلى الله عقب كل خطيئة وهكذا تكون الحرب سجالا بينهم وبين أنفسهم فإما أن تنتصر دواعي الخير فتصح توبتهم وإما أن تنكسر أمام جند الشهوة فتحيط بهم خطيئتهم ويكونوا من المصرين الهالكين.
و خلاصة المعنى : إن التوبة التي أوجب الله على نفسه قبولها بوعده الذي هو أثر كرمه وفضله ليست إلا لمن يجترح السيئة بجهالة تلابس نفسه من سورة الغضب أو تغلب شهوة ثم لا يلبت أن يندم على ما فرط منه وينيب إلى ربه ويتوب ويقلع عن ذنبه.
فأولئك يتوب الله عليهم أي فأولئك الذين فعلوا الذنوب بجهالة وتابوا بعد قريب من الزمن يتوب الله عليهم لان الذنوب لم ترسخ في نفوسهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون.
وكان الله عليما حكيما وبهذا العلم بشؤون عباده ومعرفة مصالحهم جعل التوبة مقبولة حتما لأنه يعلم ضعف عباده وأنهم لا يسلمون عن عمل السوء فلو لم يشرع لهم التوبة لهلكوا باسترسالهم في المعاصي والسيئات وتعمد إتباع الهوى وخطوات الشيطان لعلمهم أنهم هالكون لا محالة فلا فائدة من جهاد النفس وتزكيتها.
أما وقد شرع الله بحكمته قبول التوبة فقد فتح لهم باب الفضيلة وهداهم إلى محو السيئة بالحسنة لمنه لا يقبل إلا التوبة النصوح دون حركات اللسان بالاستغفار والإتيان ببعض المكفرات من الصدقات أو الأذكار مع الإصرار على الذنوب والأوزار ومن ثم جمع الله في الآية السابقة بين التوبة وإصلاح العمل.
وقد فعلت الأمم السالفة مثل هذا فاستثقلت التكاليف وفسقت عن أمر ربها واتبعت هواها وجعلت حظها من الدين مجموع حركات لسانية وبدنية لا تهذب خلقا ولا تصلح عملا ولا تمنع النفس من التمتع بشهواتها وقد اتبع كثير من المسلمين سنن من قبلهم وحذوا حذوهم شبرا بشبرو ذراعا بذراع.


م١٥
المعنى الجملي : لما ذكر سبحانه أن من تاب وأصلح تركت عقوبته وأزيل الأذى عنه وأنه هو التواب الذي يقبل التوبة عن عباده –ذكر هنا وقت التوبة وشرط قبولها ورغبته في تعجيلها حتى لا يأتي الموت وهو مصر على الذنب فلا تنفعه التوبة وأرشد أولياء الأمر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم وتأديبهم فأمر هنا بالإعراض عن أذى من تاب وأصلح العمل بعد أن فرض عقوبة مرتكبي الفواحش في الآية السالفة فهذه شرح لذلك الإصلاح في العمل.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير