مضت سنة القرآن الحكيم بأن يعلل الأحكام الشرعية ويبين حكمها بعد بيانها، وفي هذه الآيات تعليل بيان لما تقدم من أحكام النكاح.
قال الأستاذ الإمام : قوله تعالى : يريد الله ليبين لكم الخ استئناف بياني، كأن قائلا يقول : ماهي حكمة هذه الأحكام وفائدتها لنا ؟ وهل كلف الله تعالى أمم الأنبياء السابقين إياها أو مثلها فلم يبح لهم أن يتزوجوا كل امرأة ؟ وهل كان ما أمرنا به ونهانا عنه تشديدا علينا أم تخفيفا عنا ؟ ؟ فجاءت الآيات مبينة أجوبة هذه الأسئلة التي من شأنها أن تخطر بالبال بعد العلم بتلك الأحكام. وقوله : ليبين معناه أن يبين فاللام ناصبة بمعنى أن المصدرية كما قال الكوفيون، ومثله يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم [ التوبة : ٣٢ ] أقول ويجعل البصريون متعلق الإرادة محذوفا واللام للتعليل أو العاقبة، أي يريد الله ذلك التحريم والتحليل لأجل أن يبين لكم به ما فيه مصلحتكم وقوام فطرتكم. ولهم في هذه اللام أقوال أخرى.
وقد حذف مفعول " ليبين " لتتوجه العقول السليمة، إلى استخراجه من ثنايا الفطرة القويمة، وقد أشار الأستاذ الإمام إلى بعض الحكم في تحريم تلك المحرمات عقب سردها ورأينا أن نؤخر ذكرها فنجعله في هذا الموضع ليكون بيانا لما وجهت إليه النفوس هنا بحذف المفعول، وإنما كتبنا عنه في مذكرتنا بيان عاطفة الأب السائقة إلى تربية ولده وهي تذكير بغيرها من مراتب صلات القرابة وإننا نذكر ما يتعلق بهذا المقام بالإيجاز، ومحل الإسهاب فيه كتب الأخلاق.
إن الله تعالى جعل بين الناس ضروبا من الصلة يتراحمون بينها ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة، فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الأولاد والوالدين من العاطفة والأريحية، فمن اكتنه السر في عطف الأب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه إلى العناية بتربيته إلى أن يكون رجلا مثله، فهو ينظر إليه كنظره إلى بعض أعضائه، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه، ويجد في نفس الولد شعورا بأن أباه كان منشأ وجوده وممد حياته، وقوام تأديبه وعنوان شرفه، وبهذا الشعور يحترم الابن أباه، وبتلك الرحمة والأريحية يعطف الأب على ابنه ويساعده.
هذا ما قاله الأستاذ. ولا يخفى على إنسان أن عاطفة الأم الوالدية أقوى من عاطفة الأب، ورحمتها أشد من رحمته، وحنانها أرسخ من حنانه، لأنها أرق قلبا وأدق شعورا، وأن الولد يتكون جنينا من دمها الذي هو قوام حياتها، ثم يكون طفلا يتغذى من لبنها، فيكون له مع كل مصة من ثديها، عاطفة جديدة يستلها من قلبها، والطفل لا يحب أحدا في الدنيا قبل أمه، ثم إنه يحب أباه ولكن دون حبه لأمه، وإن كان يحترمه أشد مما يحترمها، أفليس من الجناية على الفطرة أن يزاحم هذا الحب العظيم بين الوالدين والأولاد حب استمتاع الشهوة فيزحمه ويفسده وهو خير ما في هذه الحياة ؟ بلى، ولأجل هذا كان تحريم نكاح الأمهات هو الأشد المقدم في الآية ويليه تحريم البنات، ولولا ما عهد في الإنسان من الجناية على الفطرة والعبث بها والإفساد فيها لكان لسليم الفطرة أن يتعجب من تحريم الأمهات والبنات، لأن فطرته تشعر بأن النزوع إلى ذلك من قبيل المستحيلات.
وأما الإخوة والأخوات فالصلة بينهما تشبه الصلة بين الوالدين والأولاد من حيث أنهم كأعضاء الجسم الواحد فإن الأخ والأخت من أصل واحد يستويان في النسبة إليه من غير تفاوت بينهما ثم إنهما ينشآن في حجر واحد على طريقة واحدة في الغالب، وعاطفة الأخوة بينهما متكافئة ليست أقوى في أحدهما منها في الآخر كقوة عاطفة الأمومة والأبوة على عاطفة البنوة فلهذه الأسباب يكون أنس أحدهما بالآخر أنس مساواة لا يضاهيه أنس آخر إذ لا يوجد بين البشر صلة أخرى فيها هذا النوع من المساواة الكاملة، وعواطف الود والثقة المتبادلة، ويحكى أن امرأة شفعت عند الحجاج في زوجها وابنها وأخيها وكان يريد قتلهم فشفعها في واحد مبهم منهم وأمرها أن تختار من يبقى فاختارت أخاها فسألها عن سبب ذلك فقالت إن الأخ لا عوض عنه وقد مات الوالدان وأما الزوج والولد فيمكن الاعتياض عنهما بمثلهما. فأعجبه هذا الجواب وعفا عن الثلاثة وقال لو اختارت الزوج لما أبقيت لها أحدا. وجملة القول إن صلة الأخوة صلة فطرية قوية وإن الإخوة والأخوات لا يشتهي بعضهم التمتع ببعض لأن عاطفة الأخوة تكون هي المستولية على النفس بحيث لا يبقى لسواها معها موضع ما سلمت الفطرة فقضت حكمة الشريعة بتحريم نكاح الأخت حتى لا يكون لمعتلي الفطرة منفذ استبدال داعية الشهوة بعاطفة الأخوة.
وأما العمات والخالات فهن من طينة الأب والأم وفي الحديث " عم الرجل صنو أبيه " ١ أي هما كالصنوان يخرجان من أصل النخلة وتقدم هذا في تفسير أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [ البقرة : ١٣٣ ] فعدوا إسماعيل من آبائه لأنه أخ لإسحاق فكأنه هو. ولهذا المعنى الذي كانت به صلة العمومة من صلة الأبوة وصلة الخؤولة من صلة الأمومة قالوا إن تحريم الجدات مندرج في تحريم الأمهات وداخل فيه فكان من محاسن دين الفطرة المحافظة على عاطفة صلة العمومة والخؤولة والتراحم والتعاون بها وأن لا تنزو الشهوة عليها وذلك بتحريم نكاح العمات والخالات.
وأما بنات الأخ وبنات الأخت فهما من الإنسان بمنزلة بناته من حيث إن أخاه وأخته كنفسه وصاحب الفطرة السليمة يجد لهما هذه العاطفة من نفسه وكذا صاحب الفطرة السقيمة إلا أن عاطفة هذا تكون كفطرته في سقمها، نعم إن عطف الرجل على بنته يكون أقوى لكونها بضعة منه نمت وترعرعت بعنايته ورعايته، وأنسه بأخيه وأخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما لما تقدم. وأما الفرق بين العمات والخالات، وبين بنات الإخوة والأخوات، فهو أن الحب لهؤلاء حب عطف وحنان، والحب لأولئك حب تكريم واحترام، فهما من حيث البعد عن مواقع الشهوة متكافئان، وإنما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات، لأن الإدلاء بهما من الآباء والأمهات، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الإخوة والأخوات.
هذه هي أنواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس بها ويتعاطفون، ويتوادون ويتعاونون، بما جعل الله لها في النفوس من الحب والحنان، والعطف والاحترام، فحرم الله فيها النكاح لأجل أن تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها إلى من ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبية بينهم كالغرباء والأجانب، والطبقات البعيدة من سلالة الأقارب، كأولاد الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر، التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس، فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة.
ثم أقول : إن هنالك حكمة جسدية حيوية عظيمة جدا وهي أن تزوج الأقارب بعضهم ببعض يكون سببا لضعف النسل فإذا تسلسلت واستمرت يتسلسل الضعف والضوى٢ فيه إلى أن ينقطع. ولذلك سببان أحدهما وهو الذي أشار إليه الفقهاء أن قوة النسل تكون على قدر قوة داعية التناسل في الزوجين وهي الشهوة وقد قالوا إنها تكون ضعيفة بين الأقارب، وجعلوا ذلك علة لكراهة تزوج بنات العم وبنات العمة الخ وسبب ذلك أن هذه الشهوة شعور في النفس يزاحمه شعور عواطف القرابة المضاد له فإما أن يزيله وإما أن يزلزله ويضعفه كما علم مما بيناه آنفا.
والسبب الثاني يعرفه الأطباء وإنما يظهر للعامة بمثال تقريبي معروف عند الفلاحين وهو أن الأرض التي يتكرر زرع نوع واحد من الحبوب فيها يضعف هذا الزرع فيها مرة بعد أخرى إلى أن ينقطع لقلة المواد التي هي قوام غذائه وكثرة المواد الأخرى التي لا يتغذى منها ومزاحمتها لغذائه أن يخلص له، ولو زرع ذلك الحب في أرض أخرى وزرع في هذه الأرض نوع آخر من الحب لنمى كل منهما. بل ثبت عند الزراع أن اختلاف الصنف من النوع الواحد من أنواع البذار يفيد فإذا زرعوا حنطة في أرض وأخذوا بذرا من غلتها فزرعوه في تلك الأرض يكون نموه ضعيفا وغلته قليلة وإذا أخذوا البذر من حنطة أخرى وزرعوه في تلك الأرض نفسها يكون أنمى وأزكى. كذلك النساء حرث كالأرض يزرع فيهن الولد وطوائف الناس كأنواع البذار وأصنافه فينبغي أن يتزوج أفراد كل عشيرة من أخرى ليزكو الولد وينجب فإن الولد يرث من مزاج أبويه ومادة أجسامهما ويرث من أخلاقهما وصفاتهما الروحية ويباينهما في شيء من ذلك، فالتوارث والتباين سنتان من سنن الخليقة ينبغي أن تأخذ كل واحدة منهما حظها لأجل أن ترتقي السلائل البشرية ويتقارب الناس بعضهم من بعض، ويستمد بعضهم القوة والاستعداد من بعض، والتزوج من الأقربين ينافي ذلك فثبت بما تقدم كله أنه ضار بدنا ونفسا، مناف للفطرة مخل بالروابط الاجتماعية عائق لارتقاء البشر.
وقد ذكر الغزالي في الإحياء أن من الخصال التي تطلب مراعاتها في المرأة أن لا تكون من القرابة القريبة، قال فإن الولد يخلق ضاويا أي نحيفا وأورد في ذلك حديثا لا يصح. ولكن روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث أن عمر قال لآل السائب :" اغتربوا لا تضووا " ٣ أي تزوجوا الغرائب لئلا تجيء أولادكم نحافا ضعافا. وعلل الغزالي ذلك بقوله : إن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر أو اللمس وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد فأما المعهود الذي دام النظر إليه فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشهوة. اه. وتعليله لا ينطبق على كل صورة والعمدة ما قلناه.
وأما حكمة التحريم بالرضاعة فقد بيناها في تفسير { وأخواتكم من الرضاعة ويزيده ما قلناه آنفا في حكمة محرمات النسب تبيانا فمن رحمته تعالى بنا أن وسع لنا دائرة القرابة بإلحاق الرضاع بها وقد ذكرنا أن بعض بدن الرضيع يتكون من لبن المرضع وفاتنا أن نذكر هناك أنه بذلك يرث منها كما يرث ولدها الذي ولدته.
وأشرنا أيضا إلى حكمة تحريم محرمات المصاهرة بما ذكرناه في حكمة تحريم الربيبة وهي بنت الزوجة، وأمها أولى بالتحريم لأن زوجة الرجل شقيقة روحه بل مقومة ماهيته الإنسانية ومتممتها فينبغي أن تكون أمها بمنزلة أمه في الاحترام، ويقبح جدا أن تكون ضرة لها فإن لحمة المصاهرة كلحمة النسب فإذا تزوج الرجل من عشيرة صار كأحد أفرادها وتجددت في نفسه عاطفة مودة جديدة لهم. فهل يجوز أن يكون سببا للتغاير والضرار بين الأم وبنتها ؟ كلا إن ذلك ينافي حكمة المصاهرة والقرابة، ويكون سبب فساد العشيرة، فالموافق للفطرة الذي تقوم به المصلحة، هو أن تكون أم الزوجة كأم الزوج وبنتها التي في حجره، كبنته من صلبه، وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزلة ابنه، يوجه إليها العاطفة التي يجدها لبنته، كما ينزل الابن امرأة أبيه منزلة أمه، وإذا كان من رحمة الله وحكمته أن حرم الجمع بين الأختين وما في معناهما لتكون المصاهرة لحمة مودة، غير مشوبة بسبب من أسباب الضرار والنفرة، فكيف يعقل أن يبيح نكاح من هي أقرب إلى الزوجة كأمها أو بنتها أو زوجة الوالد للولد وزوجة الولد للوالد ؟ وقد بين لنا أن حكمة الزواج هي سكون نفس كل من الزوجين إلى الآخر والمودة والرحمة بينهما وبين من يلتحم معهما بلحمة النسب فقال : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [ الروم : ٢١ ] فقيد سكون النفس الخاص بالزوجية ول
٢ الضوى: دقة العظم، وقلة الجسم خلقة، أو الهزال، وأضوى: دق، وأضعف، وضوت المرأة: ولدت ضاويا..
٣ رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث ٣/١٠٦. ***.
مضت سنة القرآن الحكيم بأن يعلل الأحكام الشرعية ويبين حكمها بعد بيانها، وفي هذه الآيات تعليل بيان لما تقدم من أحكام النكاح.
تفسير المنار
رشيد رضا