ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة،
لقوله: «فليبعها»
، فعند تبدل الملاك تختلف عليها الأحوال.
٨- الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة: دلّ قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ على أفضلية العزوبة وكراهية نكاح الأمة لأن زواج الأمة يفضي إلى إرقاق الولد «١»، ومغالبة النفس وكبح جماحها والصبر على مكارم الأخلاق أولى من معاشرة الإماء. قال عمر رضي الله عنه: «أيّما حرّ تزوّج بأمة فقد أرقّ نصفه» يعني يصيّر ولده رقيقا. وقد سبق ذكر الأحاديث في ذلك.
وهذا يدلّ على أن العزل حقّ المرأة لأنه لو كان حقّا للرجل لكان له أن يتزوّج ويعزل، فينقطع خوف إرقاق الولد في الغالب، وبه قال مالك «٢».
أسباب الأحكام الشرعية السابقة
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)

(١) قال الفقهاء: إذا أحبل رجل حرّ أمة غيره بزنا أو نكاح، فالولد رقيق. (السراج الوهاج:
ص ٦٤٤).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٤٠٧.

صفحة رقم 25

الإعراب:
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ دخول اللام على المفعول المتأخر عن فعله المتعدي ضعيف أو ممتنع، وقد خرجه النحاة على مذاهب: فمذهب سيبويه وجمهور البصريين: أن مفعول يُرِيدُ محذوف، واللام للتعليل. وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بمصدر، على حد «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» والتقدير: إرادة الله كائنة للتبيين. وذهب الكوفيون: أنها اللام الناصبة للفعل، وأنها تقوم مقام «أن» في فعل الإرادة والأمر، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. وفي التنزيل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [الصف ٦١/ ٨]، وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الأنعام ٦/ ٧١].
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً منصوب على الحال.
المفردات اللغوية:
سُنَنَ طرائق، جمع سنة: وهي الطريقة والشريعة. الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم. وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته.
أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يسهل عليكم أحكام الشرع. وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً عاجزا عن مخالفة نفسه وهواه.
المناسبة:
ذكر الله تعالى في هذه الآيات علل الأحكام السابقة المتعلقة بالبيوت والزواج وحكمها التي من أجلها شرعت، كما هو الشأن في القرآن، لتطمئن النفوس، وتعلم الفائدة من تلك الأحكام، وتقبل عليها ببواعث ذاتية، ونفس رضية منشرحة لما تقوم به لأنها تحقق السعادة في الدّنيا والآخرة.
التفسير والبيان:
يريد الله بإنزال هذه الآيات أن يبيّن لكم التكاليف والأحكام الشرعية، ويميز فيها الحلال من الحرام، والحسن من القبيح، ويرشد إلى ما فيه المصلحة، ويهديكم إلى طرائق ومناهج الأنبياء والصالحين المتقدمين، لتقتفوا آثارهم،

صفحة رقم 26

وتسيروا سيرتهم، فالشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة باختلاف الأحوال والأزمان، إلا أنها متفقة في مراعاة المصالح.
ويريد الله أيضا أن يقبل توبتكم من الإثم والمحارم، أو يرشدكم إلى ما يمنع من المعاصي، أو إلى ما يكفّرها ويسترها ويذهب أثرها.
والمختار عند المحققين أن الخطاب ليس عاما لجميع المكلفين، بل لطائفة معينة قد تاب الله عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في الآيات السابقة، وتابوا بالفعل لأنه لو كان عامّا لعارضه حالات أناس لم يتوافر عندهم المراد وهو التوبة.
والله ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم ما شرع لكم وما سار عليه من قبلكم وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرّهم، وهو حكيم في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله، يراعي الحكمة والمصلحة، ولا يكلّف بما فيه مشقة وضرر.
ثم أكد الله تعالى إرادته قبول التوبة وتطهيركم وتزكية نفوسكم، وقارن بين تلك الإرادة المقترنة بالرحمة وبين إرادة الذين يتبعون الشهوات وهم الفسقة المنهمكون في المعاصي أو الزناة، وقيل: اليهود والنصارى أو المجوس الذين كانوا يحلّون الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، فإنهم يريدون أن تميلوا مع أهوائهم ميلا عظيما، أي تنحرفوا معهم عن الحقّ إلى الباطل.
ويريد الله بهذه الأحكام والتكاليف والشرائع والأوامر والنواهي التخفيف عنكم، فأباح لكم نكاح الإماء عند الضرورة، كما قال مجاهد وطاوس، وهذا مثل قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف ٧/ ١٥٧]، وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة ٢/ ١٨٥]، وقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ

صفحة رقم 27

[الحجّ ٢٢/ ٧٨]،
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت بالحنيفية السمحة» «١»
، لأنه تعالى وإن حرم علينا بعض النساء، فقد أباح لنا أكثر النساء، وهكذا الحلال أكثر من الحرام في كل شيء.
وأبان الله تعالى سبب التخفيف وهو: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً أي يستميله الهوى والشهوة، لا سيما في أمر النساء، ويستثيره الخوف والحزن، فهو عاجز عن مقاومة الأهواء، وتحمل مشاق الطاعات، لذا خفف الله عنه التكاليف، ورخّص له بعض الأحكام.
ومن آفات الفسق تأثر أهل بيت الإنسان بالفسق والفجور لأنه قدوة لهم،
روى الطبراني عن جابر حديثا هو: «عفّوا تعفّ نساؤكم، وبرّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم».
فقه الحياة أو الأحكام:
أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعدّ هذه الآيات الثلاث: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ إلى قوله: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً. والرابعة: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء ٤/ ٣١]. والخامسة: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء ٤/ ٤٠].
والسادسة: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[النساء ٤/ ١١٠]. والسابعة: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء ٤/ ٤٨]. والثامنة: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [النساء ٤/ ١٥٢].
دلّت الآيات الثلاثة على ما يأتي:

(١) رواه الخطيب عن جابر، وهو ضعيف.

صفحة رقم 28

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية