وفي هذا الربع آيات كريمة أخرى من المناسب أن نقف عندها وقفة خاصة، إذ لها علاقة وثيقة بما حدده الله من الحلال والحرام في موضوع الزواج الذي هو أساس تكوين الأسرة وكل ما يتفرع عنها، وما هو حرام في هذا الموضوع الخطير، إرشادا للمؤمنين من عباده وهداية لهم إلى أحسن الطرق وأفضل النظم، حتى يقفوا عند حدودها ولا يتجاوزوها.
كما أنه مهد طريق التوبة وفتح باب العفو في وجه أولئك الذين عرفوا انحراف الجاهلية وفوضاها الاجتماعية والخلقية، فلم يؤاخذهم على ما سلف قبل نزول القرآن الكريم.
وفيها علاوة على ذلك تنبيه إلى أن عبيد الشهوات وأسراء اللذات سوف لا يرتاحون لهذا النظام الإلهي الأخلاقي وأحكامه الطاهرة، لأنه يقف في وجوههم، ويسد أمامهم طريق الفوضى والتلاعب بالأعراض، بل إنهم سيحاولون إغواء بقية المسلمين وإغراءهم على تعدي الحدود التي رسمها الحق سبحانه وتعالى، وسيدعونهم إلى نبذ أحكامه وتعاليمه ظهريا.
وأخيرا في هذه الآيات امتنان من الله على عباده بأنه يريد أن يخفف عنهم، ولذلك أحل لهم ما فيه الخير والنفع، مما يفتح في وجوههم أبواب الفضائل، وحرم عليهم ما فيه الشر والأذى، ليقفل من خلفهم أبواب الرذائل.
ثم سجل كتاب الله في نهاية هذا الموضوع حقيقة لا ينازع فيها إنسان، ألا وهي أن الإنسان مخلوق ضعيف أمام نداء الشهوة وإغراء الشيطان.
وإذن فلا بد لتوجيهه وإنقاذه وحمايته من الأخذ بيده وحضه على الإيمان بالله، وأمره بالتزام شريعته.
وهذه المعاني هي التي يشير إليها في إيجاز وإعجاز قوله تعالى : يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، ( ٢٦ )وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا، ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا( ٢٨ ) .
ومسك الختام في هذا الربع هو التنبيه بالأخص على قوله تعالى ضمن هذه الآيات وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فهذا الوصف-وصف العلم والحكمة- الذي جاء به التعقيب الإلهي هو مفتاح الفهم الصحيح، والإيمان الصادق، والطاعة الكاملة للتعاليم الإلهية في شأن الأسرة المسلمة، إذ لا علم أصح ولا أكمل من علم الله الشامل، ولا حكمة أوثق ولا أوفق من حكمته الكاملة، ولله الحجة البالغة.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري