ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً( ١ ) أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ( ٢ ) الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ( ٣ ) الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ( ٤ ) فَإِذَا أُحْصِنَّ( ٥ ) فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ( ٦ ) فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ( ٧ ) ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ( ٨ ) مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٢٥ ) يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٦ ) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ( ٢٧ ) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ( ٢٨ ) . [ ٢٥-٢٨ ]
تضمنت الآية الأولى تشريعا في صدد تزوج الرجال الأحرار بالإماء المؤمنات كما تضمنت حكمة ذلك. ووجه الخطاب فيها للمؤمنين لتقرر لهم :
( ١ ) أنه ليس من بأس على الذين لا قدرة مالية لهم على التزوج بامرأة حرة مؤمنة أن يتزوجوا بإماء مؤمنات.
( ٢ ) وبأن الله أعلم بإيمانهم جميعا، وبأن بعضهم من بعض أحرارا كانوا أم أرقاء.
( ٣ ) وبأن على من أراد ذلك أن يحصل على إذن أهل الفتاة، ويؤدي لها مهرها بالحسنى وبالقدر المتعارف عليه بين الناس والأمثال.
( ٤ ) وبأن الأمة حينما تتزوج من حر تكون قد تحصنت من السفاح والتخادن ويصبح من واجبها التعفف عن ذلك، والحذر من الارتكاس فيه وغدت زوجة شرعية لزوجها فإذا اقترفت الفاحشة فيترتب عليها نصف الحد الذي يترتب على الحرة المتزوجة.
وانتهت الآية بالتنبيه على أن التشريع والإذن الرباني قد جعل لمن يخشى على نفسه العنت والأذى والإثم وعلى أن الصبر والتحمل خير وأفضل وعلى أن الله غفور للمؤمنين رحيم بهم في كل حال.
أما الآيات الثلاث الأخريات فهي معقبة على محتويات الآية والآيات السابقة لها معا كما هو المتبادر من نصها وروحها. وأسلوبها ونصها رائعان قويا النفوذ. وقد وجه الخطاب فيها كذلك للمؤمنين :
( ١ ) لتنبههم على أن الله فيما شرعه لهم قد أراد لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ويهديهم إلى طريق الحق الذي بينه لمن قبلهم وهداهم إليه ويتوب عليهم فيحول بينهم وبين الإثم والطرق المعوجة المنحرفة ويخفف عنهم. فهو العليم بمقتضيات الأمور الحكيم الذي يأمر بما فيه الحكمة والصواب.
( ٢ ) ولتهيب بهم إلى وجوب اتباع ما أنزله الله وعدم اتباع وساوس الذين يندفعون وراء الشهوات. فهؤلاء لا يريدون لهم إلا الانحراف عن جادة الهدى والصواب. وقد أراد الله بما أنزل التسهيل لهم والتخفيف عليهم لما يعلمه من ضعف الطبيعة الإنسانية.
وورود كلمتي ( مسافحات ومتخذات أخدان ) معا ينطوي على صورة من صور ما كان جاريا. حيث كان بعض الإماء أو النساء يتخذن المسافحة أي الزنا مع أي كان مهنة وبعضهن يتخذن الأخدان والأخلاء الحقيقيين في السر وحسب.
ولقد روى عن ابن مسعود والسدي والشعبي أنهم كانوا يؤولون جملة ( فإذا أحصن ) بمعنى ( فإذا أسلمن ) ويقولون إحصانها إسلامها. غير أن جمهور المؤولين على أنها بمعنى ( فإذا تزوجن ) حيث يصرن بذلك محصنات. وهذا هو الأوجه المتسق مع روح الآية ومداها.
تعليق على الآية
( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ١ الْمُؤْمِنَاتِ )
والآيات الثلاث التالية لها
ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة مع سابقتها موضوعا، ومن المحتمل أن تكون نزلت معها أيضا وأن تكون سياقا واحدا منذ الآية ( ٢٢ ).
وجملة ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) تدل على أنها نزلت بعد الآيات الأولى من سورة النور التي عين فيها حد الزنا. هذا في حين أن الآيات ( ١٥ ـ ١٨ ) نزلت قبل آيات سورة النور المذكورة ؛ لأنها كانت الخطوة التشريعية الأولى في عقوبة الزنا، بينما جاءت آيات النور خطوة ثانية على ما نبهنا عليه قبل. وفي هذا وذاك مثل آخر من وجود بعض فصول في السورة نزلت بعد فصول سورة أخرى متأخرة عنها في الترتيب وصورة من صور تأليف السورة معا على ما ذكرناه في مقدمة السورة.
ويلحظ أن الفقرة الأولى من الآية الأولى تضمنت تقرير كون المؤمنات من حرائر وإماء هن اللائي يصح أن يتزوج بهن المؤمنون وحسب. وقد عدل هذا القيد بآية في سورة المائدة وهي ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) ( ٥ ) حيث أحل فيها للمؤمنين المحصنات من أهل الكتاب أيضا.
ونقول استطرادا لصلته بموضوع الآيات : إن المفسرين٢ أوردوا روايات وأقوالا مختلفة معزوة إلى ابن عباس، وبعض علماء التابعين ومفسريهم في تأويل كلمة ( المحصنات ) في آية المائدة حيث قيل : إنها بمعنى ( الحرائر ) كما قيل إنها بمعنى ( العفائف ) ثم بنوا على القول الأول عدم جواز تزوج المؤمن بالأمة الكتابية، وعلى القول الثاني جواز تزوج المؤمن بالكتابيات إطلاقا، سواء أكن حرائر أم إماء إذا ما تيقن من عفافهن، والكلمة تتحمل المعنيين. غير أن الأكثر على القول الثاني. هذا مع التنبيه إلى أن هناك من يقول٣ : إن الكتابيات إنما يحللن بعد إسلامهن، وإن الوصف هو على اعتبار ما كن عليه قبل إسلامهن. غير أن الأكثر على خلاف ذلك. وظاهر الآية يؤيد هذا إذ ذكر فيها المحصنات من المؤمنات مع المحصنات من أهل الكتاب. وما نقوله هو في صدد التزوج بعقد. أما استفراش الإماء الكتابيات من قبل مالكهن فليس هناك خلاف على جوازه فيما اطلعنا عليه. وجملة ( فمن ما ملكت أيمانكم ) مطلقة تتضمن إباحة ذلك، بل إباحة استفراش غير المسلمات إطلاقا سواء أكن كتابيات أم مشركات على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة والله تعالى أعلم.
وظاهر من نص الآية وروحها أن التزوج بالإماء يعني التزوج بهن بعقد، وأن الزوج هو غير مالكهن. إذ ليس على الملك قيد وشرط في استفراش ملك يمينه على ما ذكرناه قبل.
ومن المؤولين من أول جملة ( بإذن أهلهن ) بمعنى بإذن مالكيهن. ومنهم من أولها بمعنى أوليائهن من أقاربهن كالآباء والأخوة والأعمام. والجملة تتحمل المعنيين وإن كان المعنى الأول هو الأكثر ورودا ؛ لأن إذن الأولياء الأقارب لا يحسم الأمر إذا لم يأذن المالك. وقد نبه أصحاب الرأي الأول على أن ذلك متصل باستمرار ملكية المالك عليهن بعد زواجهن، وعلى أن تزوج الأمة بغير إذن مالكها باطل٤ وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي بسند حسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر وفي رواية فنكاحه باطل ٥ وقد يكون أصحاب القول استلهموا هذا الحديث وقاسوا الأمة على العبد. وهو وجيه والله أعلم.
ومع ذلك فإن أمر الآية بإعطائهن أجورهن أي مهورهن قد يدل على أن حالة الأمة حينما تتزوج بإذن مالكها تتبدل بعض الشيء. ويكون لها الحق في أن تقبض مهرها وتتصرف فيه. وقد يكون لمالكها أن يبيعها أو يهبها لغيره، وقد تنتقل ملكيتها لورثته بعد موته. ولكن ذلك لا يغير كما هو المتبادر حالتها الجديدة. وبكلمة أخرى عن مالك الأمة المتزوجة بإذنه لا يملك أن يسترجعها من زوجها، أو أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا كما كان له ذلك قبل زواجها فضلا عن أنه يحرم عليه جماعها ؛ لأنها صارت ذات زوج محصنة. وإن هذا هو شأن مالكها الجديد إذ باعها المالك الأول أو وهبها أو أورثها بعد موته. والله تعالى أعلم.
ولقد ذكر القاسمي أن مالكا استدل بجملة ( وآتوهن أجورهن ) على أنهن أحق بمهورهن، وإنه لا حق لمالكهن فيه، ثم قال : وذهب الجمهور إلى أن المهر للمالك، وإن إضافته إليهن ؛ لأن التأدية لهن هي تأدية لمالكهن لأنهن ماله. ونحن نرى رأي الإمام مالك هو الأوجه المتسق مع نص الآية وروحها. ويظل ما ذكرناه في محله إن شاء الله.
ومما قالوه : إن أولاد الإماء المتزوجات يلحقون بأمهاتهم فيكونون أرقاء ملكا لمالكي الأمهات٦ ولم نطلع على أثر نبوي أو راشدي في ذلك. ونحن نراه عجيبا ومحلا للتوقف. فالأولاد عند العرب ينسبون إلى آبائهم ويلحقون بهم. وفي جملة ( ادعوهم لأبائهم ) في آية الأحزاب ( ٥ )قرينة على ذلك فما دام الزوج حرا فأحرى أن يكون ابنه حرا. وقد يصح أن يقاس هذا على أبناء مالكي الإماء من مستفرشاتهم منهن. فالعلماء والمفسرون متفقون على أنهم أحرار، بل ويحررون أمهاتهم فلا يبقى لمالكيهم حتى بيعهن ولا هبتهن ويتحررن بالمرة عند وفاة مالكيهن ويطلق عليهن اسم خاص للتمييز، وهو ( أم ولد ) وقد جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه ) ٧ مع التنبيه على أن حالة ولد الأمة المتزوجة بعقد ومهر أقوى من حالة الأمة المستفرشة.
ونص العبارة القرآنية ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ) وروحها يلهمان أن ذلك رخصة للمؤمنين الأحرار في حال عدم استطاعتهم أن يتزوجوا من الحرائر. وفيها تقرير ضمني بعدم جواز تزوج الحر من أمة إذا كان قادرا على التزوج من حرة. وهو ما قاله غير واحد من المفسرين أيضا. وينطوي في جملة ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) حكمة الرخصة والتشريع كما هو المتبادر. ومع ذلك فإن جملة ( وأن تصبروا خير لكم ) تنطوي على الحث على عدم التسرع في التزوج بالإماء، وتحمل عنت الشهوة ما أمكن ذلك.
وما تقدم مضافا إليه ما انطوى في جملة ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) على ما شرحناه قبل وأولا، وجعل عقوبة الزنا على الأمة في الآية نصف عقوبة الحرة ثانيا، وتعبير ( بعضكم من بعض ) الذي قد يلهم أنه أريد به التخفيف عن النفس ثالثا، يلهم أن الإماء كن عرضة للتورط والارتكاس في الفاحشة، ومظنة لها أكثر من الحرائر. وأن العرب كانوا يأنفون التزوج بهن بسبب ذلك أولا، وبسبب عدم التكافؤ ثانيا. ثم بسبب ما كان جاريا على ما يستفاد من روايات المفسرين من استمرار ملكية مالكي الإماء لهن بعد زواجهن وإلحاق أولادهن بحالتهن وغدوهم مملوكين لمالكيهن دون آبائهم ثالثا. وفي هذا ما فيه من الثقل والغضاضة والمتاعب.
ومع ما قلناه فيما تلهمه جملة ( بعضكم من بعض ) فإنه ينطوي فيها تلقين قرآني جليل مستمر المدى في صدد الأخوة والمساواة في الإسلام وشمولهما لكل المسلمين الأحرار منهم والأرقاء على السواء.
وقد استدللنا من جملة ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) على أن الآية قد نزلت بعد آيات سورة النور الأولى التي حددت عقوبة الزاني والزانية بمائة جلدة. وهذا يعني أن عقوبة الأمة المتزوجة خمسون جلدة. ولما كان هناك أحاديث شددت فيها عقوبة الزنا فغدت على غير المتزوجين مائة جلدة وتغريب سنة وع

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير