القول في تأويل قوله: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يريد الله ليبين لكم"، حلاله وحرامَه ="وَيهديكم سُنن الذين من قبلكم"، يقول: وليسددكم (١) ="سُنن الذين من قبلكم"، يعني: سُبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه، ومناهجهم فيما حرّم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بَيَّن فيهما ما حرّم من النساء (٢) ="ويتوب عليكم"، يقول: يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك، مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبلَ الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحىَ إلى نبيه من ذلك ="عليكم"، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم ="والله عليم"، يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده في أدْيانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذَرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم ="حكيم" بتدبيره فيهم، في تصريفهم فيما صرّفهم فيه. (٣)
* * *
واختلف أهل العربية في معنى قوله:"يريد الله ليبين لكم".
فقال بعضهم: معنى ذلك: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم. وقال: ذلك كما قال: (وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [سورة الشورى: ١٥] بكسر"اللام"، لأن معناه: أمرت بهذا من أجل ذلك.
* * *
(٢) انظر تفسير"السنة" فيما سلف ٧: ٢٣٠، ٢٣١، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٢٤.
(٣) انظر تفسير سائر ألفاظ الآية فيما سلف، في فهارس اللغة.
وقال آخرون: معنى ذلك: يريد الله أنْ يُبين لكم ويهديكم سُنن الذين من قبلكم. وقالوا: من شأن العرب التعقيبُ بين"كي" و"لام كي" و"أن"، ووضْعُ كل واحدة منهن موضع كلِّ واحدة من أختها معَ"أردت" و"أمرت". فيقولون:"أمرتكَ أن تذهب، ولتذهب"، و"أردت أن تذهب ولتذهب"، كما قال الله جل ثناؤه: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة الأنعام: ٧١]، وقال في موضع آخر: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) [سورة الأنعام: ١٤]، (١) وكما قال: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) [سورة الصف: ٨]، ثم قال في موضع آخر، (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا) [سورة التوبة: ٣٢]. واعتلوا في توجيههم"أن" مع"أمرت" و"أردت" إلى معنى"كي"، وتوجيه"كي" مع ذلك إلى معنى"أن"، لطلب"أردت" و"أمرت" الاستقبال، وأنها لا يصلح معها الماضي، (٢) لا يقال:"أمرتك أن قمت"، ولا"أردت أن قمت". قالوا: فلما كانت"أن" قد تكون مع الماضي في غير"أردت" و"أمرت"، وَكَّدُوا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، (٣) من"كي" و"اللام" التي في معنى"كي". قالوا: وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانًا في الحرف الواحد، فقال قائلهم في الجمع: (٤)
| أَرَدْتَ لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ بِقِرْبَتِي | فَتَتْرُكَهَا شَنًّا بِبَيْدَاءَ بَلَقْعِ (٥) |
(٢) في المطبوعة: "وأيهما"، وهي في المخطوطة غير منقوطة، وكأنها خطأ مطبعي.
(٣) في المطبوعة: "ذكروا لها معنى الاستقبال... "، وهو كلام لا معنى له، صوابه ما أثبته من المخطوطة، والظاهر أن الناشر استنكر عبارة أبي جعفر فغيرها. وعبارة الفراء في معاني القرآن: "استوثقوا لمعنى الاستقبال".
(٤) لا يعرف قائله.
(٥) معاني القرآن للفراء ١: ٢٦٢، الإنصاف: ٢٤٢، الخزانة ٣: ٥٨٥، والعيني (هامش الخزانة) ٤: ٤٠٥، وغيرها، كما قال صاحب الخزانة: "وهذا بيت قلما خلا منه كتاب نحوي".
"الشن": الخلق البالي: و"البيداء": المفازة المهلكة، و"البلقع": الأرض القفر التي لا شيء بها. يقول: إنما أردت بذلك هلاكي وضياعي في قفرة مهلكة.
فجمع بينهن، لاتفاق معانيهن واختلاف ألفاظهن، كما قال الآخر: (١)
| قَدْ يَكْسِبُ المَالَ الهِدَانُ الجَافِي | بِغَيْرِ لا عَصْفٍ وَلا اصْطِرَافِ (٢) |
(٢) ديوان العجاج: ٤٠، ٨٢، معاني القرآن للفراء ١: ٢٦٢، الإنصاف: ٢٤٢. واللسان (صرف) (عصف) (هدن)، والبيت التالي، هو الوارد في شعر العجاج:
| قَالَ الَّذِي جَمَّعْتَ لِي صَوَافِي | مِنْ غَيْرِ لا عَصْفٍ وَلا اصْطِرَافِ |
| لَيْسَ كَذَاكُمْ وَلَدُ الأَشْرَافِ | أَعْجَلَنِي المَوْتَ وَلَمْ يُكًافِ |
| سَوْفَ يُجَازيك مَلِيكٌ وَافِ | بِالأَخْذِ إنْ جَازَاكَ، أَوْ يُعافِي |
(٣) الزيادة بين القوسين لا بد منها، استظهرتها من السياق، ومن معاني القرآن للفراء.
تكون مع الماضي من الفعل، يقال:"أظن أن قد قام زيد"، ومع المستقبل، ومع الأسماء. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: إن"اللام" في قوله:"يريد الله ليبين لكم"، بمعنى: يريد الله أنْ يبين لكم، لما ذكرتُ من علة من قال إنّ ذلك كذلك.
* * *
وهذا الذي مضى هو مختصر مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٦١-٢٦٣.
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر