الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا . فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْمَوْلَى فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَنْطَلِقُ عَلَى ثَمَانِيَةِ مَعَانٍ، قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ " الْأَمَدِ " وَغَيْرِهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْوَلِيِّ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَتَخْتَلِفُ دَرَجَاتُ الْقُرْبِ وَأَسْبَابِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَعْنَاهُ مَوْلَى الْعَصَبَةِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَهَذَا صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ . وَلَيْسَ بَعْدَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إلَّا الْعَصَبَةُ، وَيُفَسِّرُهُ وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ ».
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ بِالْعِتْقِ فِي حُكْمِ الْقَرِيبِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«لِلْوَلَاءِ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ». وَلَيْسَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ نَسِيبًا وَلَا وَارِثًا ؛ وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُ النَّسَبِ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ، فَكَأَنَّ الْوَلَاءَ أُبُوَّةٌ لِأَنَّهُ أَوْجَدَهُ بِالْعِتْقِ حُكْمًا، كَمَا أَوْجَدَ الْأَبُ ابْنَهُ بِالِاكْتِسَابِ لِلْوَطْءِ حِسًّا.
قَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ : هُوَ وَارِثٌ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّسَبِ إذَا ثَبَتَ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ مِنْ الْأُخْرَى، لَاسِيَّمَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ ».
وَاسْتَهَانَ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا الْكَلَامِ، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، وَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِنْعَامِ بِالْعِتْقِ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ. الثَّانِي : أَنَّ الْإِنْعَامَ بِالْعِتْقِ لَا مُقَابِلَ لَهُ إلَّا الْعِتْقُ مِنْ النَّارِ حَسْبَمَا قَابَلَهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ :«أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ ».
وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي مُتَعَلَّقٌ إلَّا الْإِجْمَاعُ السَّابِقُ لِطَاوُسٍ فِيهِ وَلِمَنْ قَالَهُ بَعْدَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ .
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَتَارَةً قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ أَيُّهُمَا مَاتَ وِرْثَهُ الْآخَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا : يَعْنِي تُؤْتُوهُمْ مِنْ الْوَصِيَّةِ جَمِيلًا وَإِحْسَانًا فِي الثُّلُثِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. وَتَارَةً قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ حَالَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيَّ، وَالْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ثُمَّ انْقَطَعَ ذَلِكَ فَلَا تَوَاخِيَ بَيْنَ أَحَدٍ الْيَوْمَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ الْأَبْنَاءَ، فَرَدَّ اللَّهُ الْمِيرَاثَ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالْعَصَبَةِ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَقَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ بَيَانًا بِمَا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْهَانًا، قَالَ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ :«وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ » قَالَ : وَرَثَةٌ، وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نُسِخَتْ. ثُمَّ قَالَ : وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوَصَّى لَهُ، وَهَذَا غَايَةٌ لَيْسَ لَهَا مَطْلَبٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حُكْمُ الْآيَةِ بَاقٍ مَنْ يَرِثُ بِهِ وَبِالِاشْتِرَاكِ فِي الدُّيُونِ لِاشْتِرَاكِهِمَا عِنْدَهُ فِي الْعَقْدِ، وَهَذَا بَابٌ قَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَاهُنَا مَعْنَى الْآيَةِ، وَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَهَا مَعْنًى.
أحكام القرآن
ابن العربي