٣٣ - وقوله تعالى : ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون الآية(١) :
قوله عزّ وجلّ : ولكل تقديره في قول قوم : ولكل واحد، وفي قول قوم آخرين : ولكل شيء، يعنون التركة. والمولى في كلام العرب لفظ مشترك، وأصله من ولي الشيء يليه، فسمي المعتق مولى وسمي المعتق مولى. ويقال : المولى الأعلى، والمولى الأسفل. ويسمى الناصر مولى، وقد قال تعالى(٢) : وأن الكافرين لا مولى لهم [ محمد : ١١ ]. ويسمى ابن العم : مولى ويسمى الجار مولى. وقد بسط المتكلّمون أقوالهم في هذا في الرد على الإمامية عند احتجاجهم بقوله عليه الصلاة والسلام(٣) : " من كنت مولاه فعلي مولاه " (٤) وقد اختلف في(٥) المراد به في هذه الآية، فقيل : العصبة، وقيل : الورثة، وقيل : بنو العم(٦)، وقيل : هم(٧) الأقرباء، منهم الأب والأخ. قال ابن الحسن : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أبقت السهام فلأولى عصبة(٨) ذكر "، يدل على أن المراد بقوله تعالى : ولكل جعلنا موالي الآية : العصبة من العصبات(٩) المولى(١٠) الأعلى لا الأسفل على قول أكثر العلماء. وحكى الطحاوي(١١) عن الحسن ابن زياد(١٢) أن المولى(١٣) الأسفل يرث من(١٤) الأعلى ؛ واحتج فيه(١٥) بما روى أن رجلا أعتق(١٦) عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق(١٧)، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق(١٨). قال الطحاوي : ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به. وعلى قول الطحاوي هذا يلزم(١٩) أن يكون المولى الأسفل داخلا تحت عموم الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فما أبقت الفرائض فللأولى عصبة ذكر " يدل على اشتراطه(٢٠) القرابة مع الولاية، فلا معنى لهذا القول.
قال أبو الحسن : والذي يحسن(٢١) من معانيه هنا أن يكون الموالي الورثة ؛ لأنها تصلح(٢٢) على(٢٣) تأويل : " ولكل شيء(٢٤) ". وبذلك فسره ابن عباس وغيره : ومما(٢٥) على تأويل ولكل شيء في موضع الصفة لشيء.
وعلى تأويل : " ولكل(٢٦) أحد " متعلق بفعل مضمر يدل عليه ما قبله، كأنه(٢٧) قال : ولكل أحد جعلنا ورثة(٢٨) يرثون مما ترك الوالدان(٢٩) الآية. والآية(٣٠) على هذا التأويل لفظ عموم يراد به الخصوص ؛ لأنه ليس لكل إنسان ورثة معلومة ترثه. قال مالك : كل من هلك من العرب فلا يخلو أن يكون له وارث بهذه الآية، وإن لم تعرف عليه.
وقوله تعالى : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم :
اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، والذين ذهبوا إلى أنها(٣١) منسوخة(٣٢) قالوا : نسخها قوله تعالى : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله [ الأحزاب : ٦ ]. واختلفوا في تأويل الآية المنسوخة، فقال ابن عباس وابن جبير والحسن وقتادة وغيرهم : هم الأحلاف، فإن العرب كانت تتوارث(٣٣) بالحلف(٣٤) فشدد الله تعالى ذلك بهذه الآية ثم نسخه(٣٥) بآية الأنفال : وأولوا الأرحام الآية. وقال ابن عباس أيضا : هم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم، فإنهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ الله(٣٦) ذلك بما تقدم. وروي أن أبا بكر الصديق(٣٧) عاقد رجلا فورثه لما مات، وقيل : إنهم كانوا يتعاقدون فيقول الرجل(٣٨) : ترثني وأرثك(٣٩)، وتطلب بي وأطلب(٤٠) بك، ودمي دون دمك فنزلت الآية مؤكدة لذلك، ثم نسخت(٤١) بقوله : وأولوا الأرحام الآية إلى قوله : إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا [ الأحزاب : ٣٣ ]، أي(٤٢) : إلا أن توصوا لهم ونسخ فرضه. وقد روي هذا(٤٣) عن ابن عباس، والذين ذهبوا(٤٤) إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها : فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الآية محكمة على ظاهرها في الميراث وغيره، وأن الرجلين إذا لم يكن بينهما معروف فوالى أحدهما الآخر على أن يتوارثا ويتعاقدا فإن ذلك يصح ويتوارثان ويتعاقلان(٤٥). قالوا : ولكل واحد منهما أن يرجع عن الموالاة. وهذا يرده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم(٤٦) : " لا حلف في الإسلام " (٤٧)، معناه : لا حكم في الموارثة(٤٨) على ما كانت(٤٩) تفعل(٥٠) الجاهلية. وأيضا فإنهم خالفوا الآية التي يحتجون(٥١) بها ؛ لأن الله تعالى علق فيها استحقاق النصيب بعقد اليمين وهم لا يرون اليمين(٥٢) في استحقاق الميراث شيئا، والمعلوم من مذهب أبي حنيفة أن الميراث بالمعاقدة إنما هو عند ذوي الرحم والولاية.
وهو بعيد عن ظاهر الآية، فإن حكم المعاقدة فيها ثابت مع وجود الموالي. وذهب الحسن(٥٣) في الآية إلى أنها(٥٤) في قوم يوصى لهم، فيموت الموصى له قبل نفوذ الوصية ووجوبها، فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له. وهذا خلاف ما ذهب إليه مالك(٥٥) من أن الموصى له إذا مات قبل الموصي فلا شيء له، وتبطل(٥٦) الوصية. فلم ير مالك في الآية هذا التأويل(٥٧)، وكذلك هو بعيد عن لفظ الآية ؛ لأن المعاقدة والإيمان لا دخل لهما في الوصية. وذهب سعيد ابن المسيب(٥٨) في الآية إلى أنها من الأبناء الذين كانوا يتبنون، قال : والنصيب الذي أمر بإتيانه(٥٩) هو الوصية لا الميراث. وهذا القول يرجع إلى الحل على الوصية، وقال ابن عباس : هم الأحلاف، إلا أن(٦٠) النصيب هو المؤازرة في الحق والنصر والوفاء بالحلف لا الميراث، ثم ذكر عنه(٦١) أنه قال : كان المهاجري يرث الأنصاري دون ذوي رحم(٦٢) بالأخوة التي جعلها الله بينهم في الإسلام، فلما نزلت : ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون (٦٣) نسخت ذلك. ثم قرأ : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم من النصرة والرفادة والوصلة، وقد ذهب الميراث، وهو قول حسن ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة " (٦٤) وقوله : " ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ولا حلف في الإسلام ) (٦٥)، وقد حكي عن ابن عباس أن الآية كانت عامة في الميراث والنصر والمعونة، فنسخ منها الميراث وبقي النصر/ والمعونة.
٢ كلمة "تعالى" سقطت في (ج)..
٣ في (هـ) و(د): "عليه السلام"..
٤ انظر جامع الصحيح للإمام الترمذي: أبواب المناقب، ص٢٩٧، حديث رقم ٣٧٩٧، ومسند الإمام أحمد: ج١، ص٨٤، ١١٨، ١١٩، ج٤، ص٢٨١..
٥ "في" سقطت في (ب) و(ج)..
٦ في (ج) و(د): "هم بنو العم"..
٧ كلمة "هم" سقطت في (ج)..
٨ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب الاستقراض، باب١١، ص٦١، وكتاب التفسير: سورة ٣٣، باب١..
٩ كلمة "العصبات" سقطت في (هـ)..
١٠ في (ب) و(ج): "من العصبة الأولى"..
١١ هو أبو جعفر أحمد بن سلامة المعروف بالطحاوي، الفقيه الحنفي، له من التآليف: أحكام القرآن والمختصر توفي سنة ٣٢٠هـ / ٩٣٢م. انظر الجواهر المضيئة لابن أبي الوفاء القرشي: ج١، ص١٠٢ – ١٠٥، ولسان الميزان لابن حجر: ج١، ص ٢٧٤ – ٢٨٢، ومقدمة مختصر الطحاوي لابن الوضاء الأفغاني: ص١٠ – ١٤..
١٢ هو الحسن بن زياد أبو علي، قاض، فقيه من أصحاب أبي حنيفة، أخذ عنه وسمع منه، وكان عالما لمذهب الرأي، ولي القضاء بالكوفة سنة١٩٤ هـ. ثم استعفي وصنف كتبا منها: "أدب القاضي، ومعاني الإيمان، والنفقات، والأمالي"، توفي سنة ٢٠٤هـ/ ٨١٩ م. انظر الأعلام: ج٢، ص٢٠٥..
١٣ في (هـ): "الولي"..
١٤ كلمة "من" سقطت في (هـ)..
١٥ في (هـ): "واحتج له"..
١٦ في (د) و(هـ): "عتق" والصواب ما أثبتناه..
١٧ بكسر "تاء" الأولى، وفتح "تاء" الثانية..
١٨ بفتح "تاء" كلمة المعتق..
١٩ في (د) و(هـ): "هذا يلزم"..
٢٠ في (هـ): "اشتراط"..
٢١ في (ج): "والذي يحصل"..
٢٢ في (ب) و(د): "تضع"..
٢٣ في (هـ): "على كل"..
٢٤ في (ب) و(د) و(هـ): "ولكل أحد"..
٢٥ في (د): "ولا" وفي (هـ): "وهما"..
٢٦ في (د): "وعلى كل أحد"..
٢٧ في (د): "لأنه"..
٢٨ في (هـ): "مورثة"..
٢٩ في (ب): "الوالدان والأقربون"..
٣٠ "الآية" (أي الأولى) ساقطة في (ب) والآية الثانية ساقطة في (د)..
٣١ في (هـ): "الذاهبون" عوضا: "والذين ذهبوا أنها"..
٣٢ في (هـ): "نسخها"..
٣٣ في (هـ): "تورث"..
٣٤ في (ج) و(د): "الحلق" وفي (هـ): "الأحلاف"..
٣٥ في (هـ): "نسخت"..
٣٦ في (ج) و(د) و(هـ): "حتى نسخ ذلك"..
٣٧ في (د) و(هـ): "أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه"..
٣٨ في (د) و(هـ): "الرجل للرجل"..
٣٩ في (ب) و(د) و(هـ): "ترثك"..
٤٠ في (د) و(ب): "تعلبك"..
٤١ في (هـ): "نسخ".
٤٢ "أي" سقطت في (ج)..
٤٣ في (هـ): "نحو هذا".
٤٤ في (هـ): "الذاهبون" عوضا: "والذين ذهبوا"..
٤٥ "ذلك يصح ويتوارثان ويتعاقدان" ساقط في (ب)..
٤٦ في (هـ) و(د): "النبي"..
٤٧ انظر صحيح مسلم: كتاب الفضائل الصحابة، باب٥٠، ص١٩٦١، وسنن أبي داود: كتاب الفرائض، باب١٧، ص٣٣٨، وسنن الترمذي: كتاب السير، باب٣٠، ص١٤٦، وسنن الدارمي: كتاب السير، باب٨١، ص٦٣٩..
٤٨ في (د): "الوارثة" وفي (هـ): "في التوارث"..
٤٩ في (ب) و(د) و(هـ): "كان"..
٥٠ في (هـ): "يفعله"..
٥١ في (هـ): "احتجوا"..
٥٢ في (د): "تورث" والصواب ما أثبتناه..
٥٣ في (ب) و(د): "الحسن"..
٥٤ في (د): "أنه"..
٥٥ في (هـ) و(د): "مالك رحمه الله".
٥٦ في (هـ): "لا شيء له من الوصية"..
٥٧ في (ب) و(د): "فلا ير مالك في الوصية هذا التأويل"..
٥٨ هو سعيد بن المسيب المخزومي القرشي أبو محمد، أحد فقهاء السبعة جمع بين الزهد والحديث ولد سنة١٣ هـ/ ٦٣٤م، توفي سنة ٩٤هـ/ ٧١٣م. انظر الأعلام: ج٣، ص١٥٥، وفيات الأعيان: ج١، ص٢٠٦..
٥٩ في (هـ): "بإيتائه"..
٦٠ في (د): "لأن"..
٦١ في (هـ) و(ج) و(د): "ثم ذكر عنه رضي الله عنه"..
٦٢ "رحمه" ساقط في (ب) و(ج) و(د)..
٦٣ "مما ترك الوالدان والأقربون" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ). أما في (أ) فقد سقط: "الوالدان والأقربون"..
٦٤ انظر صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب٥٠، وسنن أبي داود: كتاب الفرائض، باب١٧، وسنن الترمذي: كتاب السير، باب٣٠، وسنن الدارمي: كتاب السير، باب٨١..
٦٥ نفس المصادر "بالهامش السابق"..
أحكام القرآن
ابن الفرس