(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ).
وبين بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) أنه أعلم
بما يستحق كل إنسان، كقوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)
المولى من الولاء، وهو تتابع الشيء من غير حائل.
وجعل المولى لمن تولى حفظ الشيء، وتُعورف في المعتِق، والمعتَق.
وابن العم، والحليف، وولي الأمر، والعصبة،
قال ابن عباس: هم الورثة ههنا، وقال مجاهد وقتادة: العصبة
لقول النبي - ﷺ -:
"من مات وترك مالًا فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلًّا فأنا وليه ".
بيّن أن لكل مال تركه الوالدان والأقربون موالي يرثونه.
وقوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قيل: عنى به
عقد الحلف، وكانت العرب تتوارث به، ثم نُسِخَ بقوله:
(وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)
وذلك عن ابن عباس والحسن وسعيد وقتادة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: الآية تقتضي أن المعاقدة يُستحقُّ بها الإرث.
قالوا: ويقوِّي ذلك قوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).
فجعلِ ذوي الأرحام أولى من المعاقد، فدل ذلك أن المعاقد فيه حقّا.
قالوا: وروى تميم الداري أنه قال: يا رسول الله:
ما السنّة في الرجل يسلم على يد مسلم؟
فقال: "هو أولى بمحياه ومماته ".
وقيل: عنى الذين عقدت أيمانهم في الجاهلية، فجعل تعالى
لهم نصيبًا كنصيب الأخ من الأم، وسقط حكمهم بموتهم.
وقيل: جعل لهم النصيب من النصرة دون الإِرث.
وقد روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وعطاء. قالوا:
وحكم الأول قديم بقوله: (وَالْأَقْرَبُونَ).
واستؤنف قوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)
قال ابن الحسن: عنى بالذين عاقدت أيمانكم: الأزواج لقوله تعالى:
(وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ)
قال: وصار المذكور في هذه الآية جملة ما فصَّله في آيات المواريث.
فصار هذه الآية كقوله - ﷺ -: "إن الله أعطى كل ذي حق حقَّه "،
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار