ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ

باب وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم


قال الله تعالى : أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، وقال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ ليُطَاعَ بإذْنِ اللهِ ، وقال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وقال تعالى : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ، فأكّد جل وعلا بهذه الآيات وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبان أن طاعتَهُ طاعةُ الله، وأفاد بذلك أن معصيتَهُ مَعْصِيَةُ الله ؛ وقال الله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ النور : ٦٣ ]، فأوعد على مخالفة أمر الرسول، وجعل مخالِفَ أمْرِ الرسول والممتنع من تسليم ما جاء به والشاكَّ فيه خارجاً من الإيمان بقوله تعالى : فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً قيل في الحرج ههنا إنه الشكّ، رُوي ذلك عن مجاهد. وأصل الحرج الضِّيقُ، وجائز أن يكون المراد التسليم من غير شكّ في وجوب تسليمه ولا ضيق صدر به بل بانشراح صدر وبصيرة ويقين.
وفي هذه الآية دلالةٌ على أن من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارجٌ من الإسلامِ سواءٌ ردّه من جهة الشكّ فيه أو من جهة تَرْكِ القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسَبْي ذراريهم ؛ لأن الله تعالى حكم بأن من لم يُسَلِّمْ للنبيّ صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان.
فإن قيل : إذا كانت طاعةُ الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى فهلاَّ كان أمْرُ الرسول أمْرَ الله تعالى ! قيل له : إنما كانت طاعتُه طاعةَ الله بموافقتها إرادة كل واحد منهما أوامره، وأما الأمر فهو قول القائل " افعل " ولا يجوز أن يكون أمراً واحداً لآمِرَيْن كما لا يكون فيه قول واحد من قائلين ولا فعل واحد من فاعلين.

باب في طاعة أُولي الأمر


قال الله تعالى : يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ . قال أبو بكر : اخْتُلف في تأويل أُولي الأمر، فرُوي عن جابر بن عبدالله وابن عباس روايةً والحسن وعطاء ومجاهد :" أنهم أولو الفقه والعلم "، وعن ابن عباس روايةً وأبي هريرة :" أنهم أمراء السرايا ". ويجوز أن يكونوا جميعاً مرادين بالآية ؛ لأن الاسم يتناولهم جميعاً، لأن الأمراء يَلُونَ أمْرَ تدبير الجيوش والسرايا وقتال العدو، والعلماء يَلُونَ حِفْظَ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز، فأمر الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عَدَل الأمراء والحكام وكان العلماء عُدُولاً مَرْضِيِّين موثوقاً بدينهم وأمانتهم فيما يؤدّون ؛ وهو نظير قوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ الأنبياء : ٧ ]. ومن الناس من يقول : إن الأظْهَرَ مِنْ أُولي الأمر ههنا أنهم الأمراء ؛ لأنه قدم ذِكْرَ الأمر بالعدل ؛ وهذا خطابٌ لمن يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة، ثم عطف عليه الأمر بطاعة أُولي الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا عُدُولاً مَرْضِيِّين. وليس يمتنع أن يكون ذلك أمراً بطاعة الفريقين من أولي الأمر وهم أمراء السرايا والعلماء، إذ ليس في تقدم الأمر بالحكم بالعدل ما يوجب الاقتصار بالأمر بطاعة أولي الأمر على الأمراء دون غيرهم. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَني ". ورَوَى الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف مِنْ منًى فقال :" نَضَّرَ الله عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثم أدَّاهَا إلى مَنْ لَمْ يَسْمَعْها، فَرُبَّ حَامِل فِقْهٍ لا فَقْهَ له ورُبَّ حَامِل فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثلاثٌ لا يَغِلّ عليهن قَلْبُ مُؤْمِنٍ : إخْلاَصُ العَمَلِ لله تعالى " وقال بعضهم :" وطَاعَةُ ذَوِي الأمْرِ " وقال بعضهم :" والنَّصِيحَةُ لأُولي الأمْرِ ولُزُومُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، فإنَّ دَعَوْتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ ". والأظْهر من هذا الحديث أنه أراد بأُولي الأمر الأمراء. وقوله تعالى عقيب ذلك : فإنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ والرَّسُولِ يدل على أن أُولي الأمر هم الفقهاء ؛ لأنه أمر سائر الناس بطاعتهم ثم قال : فإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى الله وَالرَّسُولِ ، فأَمَرَ أولي الأَمْرِ بردِّ المتنازَعِ فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إذ كانت العامةُ ومن ليس من أهل العلم ليست هذه منزلتهم ؛ لأنهم لا يعرفون كيفية الردّ إلى كتاب الله والسنّة ووجوه دلائلهما على أحكام الحوادث ؛ فثبت أنه خطاب للعلماء.
مطلب : في إبطال قول الرافضة يشترط أن يكون الإمام معصوماً
واستدل بعض أهل العلم على إبطال قول الرافضة في الإمامة بقوله تعالى : أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، قال : فليس يخلو أولو الأمر من أن يكونوا الفقهاء أو الأمراء أو الإمام الذي يدَّعُونه، فإن كان المرادُ الفقهاءَ والأمراءَ فقد بَطُلَ أن يكون الإمام، والفقهاء والأمراء يجوز عليهم الغلط والسهو والتبديل والتغيير وقد أُمِرْنا بطاعتهم، وهذا يبطل أصْلَ الإمامة فإن شرط الإمام عندهم أن يكون معصوماً لا يجوز عليه الغلط والخطأ والتبديل والتغيير ؛ ولا يجوز أن يكون المرادُ الإمامَ لأنه قال في نسق الخطاب : فَإنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى الله وَالرَّسُولِ ، فلو كان هناك إمامٌ مفروض الطاعة لكان الردّ إليه واجباً وكان هو يقطع الخلاف والتنازع، فلما أمر بردّ المتنازَعِ فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام دلّ ذلك على بطلان قولهم في الإمامة، ولو كان هناك إمام تجب طاعته لقال : فردّوه إلى الإمام ؛ لأن الإمام عندهم هو الذي يَقْضي قولُه على تأويل الكتاب والسنة، فلما أمر بطاعة أمراء السرايا والفقهاء وأمر بردّ المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام ثبت أن الإمام غيرُ مفروضِ الطاعَةِ في أحكام الحوادث المتنازع فيها، وأن لكل واحد من الفقهاء أن يردّها إلى نظائرها من الكتاب والسنة.
وزعمت هذه الطائفة أن المراد بقوله تعالى : وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه ؛ وهذا تأويل فاسد لأن أولي الأمر جماعة وعلي بن أبي طالب رجل واحد. وأيضاً فقد كان الناس مأمورين بطاعة أولي الأمر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماماً في أيام النبيّ صلى الله عليه وسلم، فثبت أن أولي الأمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أمراء وقد كان على المُوَلَّى عليهم طاعتهم ما لم يأمروهم بمعصية، وكذلك حكمهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم اتّباعهم وطاعتهم ما لم تكن معصية.
مطلب : في بيان المراد من قوله تعالى : فردوه إلى الله والرسول وقوله تعالى : فإنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى الله وَالرَّسُولِ رُوي عن مجاهد وقتادة وميمون بن مهران والسدّي :" إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ". قال أبو بكر : وذلك عموم في وجوب الردّ إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في حياة النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم. والردُّ إلى الكتاب والسنة يكون من وجهين، أحدهما : إلى المنصوص عليه المذكور باسمه ومعناه، والثاني : الردّ إليهما من جهة الدلالة عليه واعتباره به من طريق القياس والنظائر ؛ وعموم اللفظ ينتظم الأمرين جميعاً، فوجب إذا تنازعنا في شيء رَدُّهُ إلى نصّ الكتاب والسنة إن وجدنا المتنازع فيه منصوصاً على حكمه في الكتاب والسنة، وإن لم نجد فيه نصّاً منهما وجب رده إلى نظيره منهما ؛ لأنا مأمورون بالردّ في كل حال إذْ لم يخصص الله تعالى الأمر بالردّ إليهما في حال دون حال. وعلى أن الذي يقتضيه فحوى الكلام وظاهره الرد إليهما فيما لا نصَّ فيه ؛ وذلك لأن المنصوص عليه الذي لا احتمال فيه لغيره لا يقع التنازع فيه من الصحابة مع علمهم باللغة ومعرفتهم بما فيه احتمال مما لا احتمال فيه، فظاهر ذلك يقتضي رَدَّ المتنازَع فيه إلى نظائره من الكتاب والسنة.
فإن قيل : إنما المراد بذلك تَرْكُ التنازع والتسليم لما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل : إن ذلك خطاب للمؤمنين لأنه قال تعالى : يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، فإن كان تأويله ما ذكرتَ فإن معناه : اتّبعوا كتاب الله وسنّة نبيه وأطيعوا الله ورسوله ؛ وقد علمنا أن كل مَنْ آمن ففي اعتقاده للإيمان اعتقادٌ لالتزام حكم الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيؤدِّي ذلك إلى إبطال فائدة قوله تعالى : فَرُدُّوهُ إلى الله والرَّسُولِ . وعلى أن ذلك قد تقدم الأمر به في أول الآية، وهو قوله تعالى : أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، فغير جائزٍ حَمْلُ معنى قوله تعالى : فَرُدُّوهُ إلَى الله وَالرَّسُولِ على ما قد أفاده بدياً في أول الخطاب، ووجب حَمْلُه على فائدة مجدَّدة وهو رَدُّ غير المنصوص عليه وهو الذي وقع فيه التنازع إلى المنصوص عليه ؛ وعلى أنّا نَرُدُّ جميع المُتَنَازَعِ فيه إلى الكتاب والسنة بحق العموم ولا نخرج منه شيئاً بغير دليل.
مطلب : يجوز الاجتهاد في حالين مع وجوده صلى الله عليه وسلم
فإن قيل : لما كانت الصحابة مخاطَبِينَ بحكم هذه الآية عند التنازع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معلوماً أنه لم يكن يجوز لهم استعمال الرأي والقياس في أحكام الحوادث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان عليهم التسليم له واتّباع أمره دون تكلُّفِ الردّ من طريق القياس، ثبت أن المراد استعمال المنصوص وترك تكلف النظر والاجتهاد فيما لا نصَّ فيه. قيل له : هذا غلط ؛ وذلك لأن استعمال الرأي والاجتهاد ورد الحوادث إلى نظائرها من المنصوص قد كان جائزاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حالين ولم يكن يجوز في حال ؛ فأما الحالان اللتان كان يجوز فيهما الاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فإحداهما في حال غيبتهم عن حضرته، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً حين بعثه إلى اليمن فقال له :" كَيْفَ تَقْضي إنْ عَرَضَ لك قَضَاءٌ ؟ " قال : أقضي بكتاب الله، قال :" فإنْ لم يَكُنْ في كِتَابِ الله ؟ " قال : أقضي بسنة نبي الله، قال :" فإنْ لم يَكُنْ في كِتَابِ الله ولا في سُنَّةِ رَسُولِ الله ؟ " قال : أجتهد رأيي لا آلو، قال : فضرب بيده على صدره وقال :" الحمد لله الذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ الله لما يُرْضِي رَسُولَ الله " ؛

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير