ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ

ولينظر تتمة هذا البحث في الرسالة المذكورة. فإن الوقوف عليها من المهمات. إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم ما يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة. و (ما) إما منصوبة موصوفة ب (يعظكم) أو مرفوعة موصولة. كأنه قيل نعم شيئا يعظكم به. أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها متضمنة لمزيد لطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال بالأمر إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لأقوالكم في الأمانات والأحكام بَصِيراً بأفعالكم فيهما. فإن سمع ورأى خيرا جازاكم عليه خير الجزاء.
وإن سمع ورأى شرّا جازاكم عليه. فهو وعد ووعيد. وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يونس قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها إلى قوله- سَمِيعاً بَصِيراً. ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعه.
وقال أبو زكريا: وصفه لنا المقري ووضع أبو زكريا إبهامه الأيمن على عينه اليمنى. والتي تليها على الأذن اليمنى. وأرانا، فقال: هكذا. وهكذا رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن مردويه في تفسيره.
وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة. واسمه سليم بن جبير. أفاده ابن كثير.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (٤) : آية ٥٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ اعلم أنه تعالى، لما أمر الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، أمر الرعية من الجيوش وغيرهم بطاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك. إلا أن يأمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال الرازيّ: قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة. فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا
. وقد روى الطبريّ «١» بسند صحيح عن أبي هريرة: إن أولي الأمر هم الأمراء. واحتج له

(١) الأثر رقم ر ٩٨٥٦.

صفحة رقم 184

الشافعيّ بأن قريشا ومن يليها من العرب كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير.
فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر، والانقياد له إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولاهم البلاد. فلا يخرجوا عليهم ولا يمتنعوا عليهم، لئلا تفترق الكلمة. ولذلك
قال «١» صلى الله عليه وسلم: «من أطاع أميري فقد أطاعني».
متفق عليه. وفي البخاريّ «٢» عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديّ إذ بعثه النبيّ ﷺ في سرية.
قال ابن كثير: وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة وقال الترمذيّ: حديث حسن غريب. ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج.
وروى الطبريّ «٣» عن السدّيّ أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد ابن الوليد. وكان خالد أميرا. فأجار عمار رجلا بغير أمره. فتخاصما وارتفعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير.

(١)
أخرجه البخاريّ في: الأحكام، ١- باب قول الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، حديث ١٤٠٩ ونصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني»
. (٢) أخرجه البخاريّ في: التفسير، ٤- سورة النساء، ١١- باب قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، حديث ١٩٩١.
(٣)
الأثر ٩٨٦١ ونصه: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن مفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدّي: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال: بعث رسول الله ﷺ سرّية عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر. فساروا قبل القوم الذين يريدون. فلما بلغوا قريبا منهم عرّسوا. وأتاهم ذو العيينتين (الجاسوس) فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا. غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد. فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان! إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت. فهل إسلامي نافعي غدا، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك فأقم. فأقام. فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدا غير الرجل. فأخذه وأخذ ماله. فبلغ عمارا الخبر. فأتى خالدا فقال: خلّ عن الرجل فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبّا وارتفعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير.
فاستبا عند رسول الله ﷺ فقال خالد: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا خالد! لا تسب عمارا فإنه من سب عمارا سبه الله. ومن أبغض عمارا أبغضه الله. ومن لعن عمارا لعنه الله».
فغضب عمار فقام. فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه.
فأنزل الله تعالى قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
.

صفحة رقم 185

قال ابن كثير: وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدّي مرسلا. ورواه ابن مردويه عن السدّيّ عن أبي صالح عن ابن عباس. فذكره بنحوه.
ولا تنافي بين الروايتين لما أسلفناه في مقدمة التفسير في بحث سبب النزول.
فتذكر.
وقال الزمخشريّ: المراد بأولي الأمر منكم، أمراء الحق. لأن أمراء الجور، الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما. كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم.
وفي الصحيحين «١» عن عليّ رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «إنما الطاعة في المعروف».
وروى الإمام أحمد «٢» عن عمران بن حصين عن النبيّ ﷺ قال: «لا طاعة في معصية الله».
لطيفة:
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : النكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى- كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة. فكان التقدير: وأطيعوا الله فيما قضى عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة.
والمعنى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبّد بتلاوته. وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن.
ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية. لما قال له:
أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ؟ فقال له: أليس قد نزعت

(١)
أخرجه في: الأحكام، ٤- باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، حديث ١٩٣٣ ونصه:
عن عليّ رضي الله عنه قال: بعث النبيّ ﷺ سرية وأمّر عليهم رجلا من الأنصار. وأمرهم أن يطيعوه. فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبيّ ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها. فجمعوا حطبا فأوقدوا (نارا) فلما هموا بالدخول فقام ينظر إلى بعض. قال بعضهم: إنما تبعنا النبيّ ﷺ فرارا من النار، أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه. فذكر النبيّ ﷺ فقال «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا.
إنما الطاعة في المعروف»
.
(٢) أخرجه في المسند ٤/ ٤٢٦.

صفحة رقم 186

عنكم، يعني الطاعة، إذا خالفتم الحق بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ؟
قال الطيبيّ: أعاد الفعل في قوله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة. ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته. ثم بين ذلك بقوله: فإن تنازعتم في شيء. كأنه قيل فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردّوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. انتهى.
تنبيه:
يشمل عموم وقوله وَأُولِي الْأَمْرِ العلماء. كما روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه يعني أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصريّ وأبو العالية. وهذا ليس قولا ثانيا في الآية بل هو مما يشمله لفظها. فهي عامة في أولي الأمر من الأمراء والعلماء وإن نزلت على سبب خاص. وقد كثرت الأوامر بطاعة العلماء كالأمراء. قال تعالى: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ [المائدة: ٦٣]. وقال تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، وقال تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣].
وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال «١» :«من أطاعني فقد أطاع الله. ومن عصاني فقد عصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصى أميري فقد عصاني».
وروى أبو داود «٢» عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».
وروى البخاريّ «٣» عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كأن رأسه زبيبة»
. والأحاديث في هذا كثيرة.

(١)
أخرجه البخاريّ في: الجهاد، ١٠٩- باب يقاتل من وراء الإمام ويتّقى به، حديث ١٤٠٩ ونصه:
عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني. وإنما الإمام جنّة يقاتل من ورائه ويتقى به. فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا. وإن قال بغيره فإن عليه منه
. (٢) أخرجه أبو داود في: الجهاد، ٨٧- باب في الطاعة، حديث ٢٦٢٦.
(٣) أخرجه البخاريّ في: الأحكام، ٤- باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، حديث ٤٣٤.

صفحة رقم 187

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (الحسبة في الإسلام) :
وقد أمر الله تعالى في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين.
وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام. فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس. كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه «١» (للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على هذا الأمر) قال: ما استقامت لكم أئمتكم.
ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعا فإنه من أولي الأمر. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهي عما نهى عنه. وعلى كل واحد ممن له عليه طاعة أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله. كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين تولى أمر المسلمين وخطبهم، فقال في خطبته: أيها الناس! القويّ فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القويّ عندي حتى آخذ له الحق. أطيعوني ما أطعت الله. فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم فَإِنْ تَنازَعْتُمْ أي اختلفتم أنتم وأولو الأمر فِي شَيْءٍ من الأحكام فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ أي فارجعوا فيه إلى كتابه وَالرَّسُولِ بالسؤال منه في زمانه ﷺ والرجوع إلى سننه بعده لا إلى ما تهوون ولا إلى ما يهواه الحكام إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الواضع لشرائع العدل وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الذي يجازى فيه الموافق والمخالف لتلك الشرائع ذلِكَ أي الرد إلى كتاب الله وسنة الرسول، والرجوع إليهما فصل النزاع خَيْرٌ أي لكم ولحكامكم وأصلح وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي عاقبة ومآلا، كما قاله السدّيّ وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. وهو قريب.

(١) أخرجه الدارميّ في مسنده: المقدمة، ٢٣- باب في كراهية أخذ الرأي. ونصه: عن أبي زرعة بن عمرو عن حية بنت أبي حية قالت: دخل علينا رجل بالظهيرة. فقلت: يا عبد الله: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت أنا وصاحب لي في بغاء لنا. فانطلق صاحبي يبغي ودخلت أنا أستظل بالظل وأشرب من الشراب.
فقمت إلى لبينة حامضة فسقيته منها فشرب وشربت.
قالت وتوسمته فقلت: يا عبد الله! من أنت؟ فقال: أنا أبو بكر. فقلت: أنت أبو بكر، صاحب رسول الله ﷺ الذي سمعت به؟ قال: نعم.
قالت فذكرت غزونا خثعما وغزوة بعضنا بعضا في الجاهلية وما جاء الله به من الألفة وأطناب الفساطيط. فقلت: يا عبد الله! حتى متى ترى أمر الناس هذا؟ قال: ما استقامت الأئمة. قلت: ما الأئمة؟ قال: أما رأيت السيّد يكون في الحواء (بيوت مجتمعة على الماء) فيتبعونه ويطيعونه؟
فما استقام أولئك.

صفحة رقم 188

قال الحافظ ابن كثير: هذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه، أن يردّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة. كما قال تعالى:
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]. فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى:
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله. فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فدل على أن من لم يتحاكم، في محل النزاع، إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. انتهى.
تنبيهات
الأول- قال البيضاويّ: إن قوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ، يؤيد أن المراد بأولي الأمر الأمراء لا العلماء. قال: إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس. ثم قال: إلا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر، على طريقة الالتفات. وتابعه أبو السعود.
قال الخفاجيّ: وجه التأييد أن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء. إذ المراد بهم المجتهدون. والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم. والمراد بالمرؤوس (على وزن المفعول) العامة التابعة للرائس والرئيس. فإذا كان الخطاب في (تنازعتم) لأولي الأمر على الالتفات صح إرادة العلماء. لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضا مجادلة ومحاجة. فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل. انتهى. وفي وقوله: (إذ ليس للمقلد إلخ) ما ستراه.
الثاني- فيهم كثير من الناس والمفسرين أيضا أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. وهو غلط قال الإمام ابن القيّم في (أعلام الموقعين) في:

فصل


في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان.
قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وأولي الأمر- وهم العلماء. أو العلماء والأمراء- وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد، لم

صفحة رقم 189

يكن هناك طاعة تختص بهم. قال: وجوابه أن أولي الأمر، قيل: هم الأمراء. وقيل:
هم العلماء. وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين.
وطاعتهم من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. لكن خفي على المقلدين أنهم يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله ﷺ وإيثار التقليد عليها؟ ثم قال ابن القيّم: إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد. وذلك من وجوه: أحدها- الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه. الثاني- طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يكون العبد مطيعا لله ولرسوله حتى يكون عالما بأمر الله تعالى ورسوله. وأما من هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله ﷺ البتة. الثالث- أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم، كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة. وذكرناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم.
وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد. وإن لم تكن واجبة الاستدلال. الرابع- أنه سبحانه وتعالى، قال في الآية نفسها: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم؟
فإن كانت الطاعة فيما يخبرون به عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، كانت الطاعة لله ورسوله ﷺ لا لهم. قيل: هذا هو الحق. وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال. ولهذا قرنها بطاعة الرسول. وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا. وليس كذلك. بل طاعته واجبة استقلالا. كان، ما أمر به أو نهى عنه في القرآن، أو لم يكن. انتهى.
وقال رحمه الله تعالى قبل ذلك: إن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم. وسلكوا ضد طريق أهل العلم. أما أمر الله تعالى، فإنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله.
والمقلدون قالوا: إنما نردّه إلى من قلدناه. وأما أمر رسوله فإنه ﷺ أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين، وأمر أن يتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ. وقال المقلدون: بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل ما عداه. وأما هدي الصحابة رضي الله عنهم فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن

صفحة رقم 190

شخص واحد يقلد رجلا في جميع أقواله ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يرد من أقواله شيئا ولا يقبل من أقوالهم شيئا. وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث. وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوا عن تقليدهم وحذروا منه. كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ وأقوال خلفائه الراشدين. فما وافق ذلك منها قبلوه ودانوا الله تعالى به. وقبضوا به وأفتوا به. وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردوه. وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتّباع لا واجبة الاتّباع. من غير أن يلزموا بها أحدا ولا يقولوا إنها الحق دون ما خالفها. هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا. وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين. فزيفوا كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ وأقوال خلفائه وجميع أصحابه، وعرضوها على أقوال من قلدوه، فما وافقها منها قالوا: لنا وانقادوا له مذعنين. وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتج الخصم بكذا وكذا. ولم يقبلوه ولم يدينوا به. واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن. وتطلبوا لها وجوه الحيل التي يرونها. حتى إذا كانت موافقة لمذهبهم، وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها، شنعوا على منازعهم وأنكروا عليهم ردها بمثل تلك الوجوه بعينها. وقالوا: لا تردّ النصوص بهذا. ومن له همة تسمو إلى الله ومرضاته، ونصر الحق الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين كان ومع من كان، لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخلق الذميم. انتهى.
الثالث- إن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فوّضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له؟ وأيضا، لم لا يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية؟ قلنا: أما الأول فمدفوع. وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين: منها ما يكون حكمها منصوصا عليه. ومنها ما لا يكون كذلك. ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد. وأمر في القسم الثاني بالاجتهاد فيه، وهو الرد إلى الله وإلى الرسول. ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الردّ السكوت، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك. بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها، بنفي أو إثبات. وإذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله، على السكوت عن تلك الواقعة. وأما السؤال الثاني- فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل. فلا يكون رد الواقعة إليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه. أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها، كان هذا ردا للواقعة على أحكام

صفحة رقم 191

الله تعالى. فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى: أفاده الرازيّ.
الرابع- استدل مثبتو القياس بقوله تعالى فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ إلخ قالوا: معنى الآية: فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة، فردوا حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له. وذلك هو القياس. قالوا: ولو كان المراد من قوله تعالى فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة- لكان داخلا تحت قوله أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وهو إعادة لعين ماضي (كذا) وهو غير جائز. وقد توسع الرازيّ في تقرير ذلك هاهنا، كما توسع في أن قوله تعالى (وأولي الأمر) إشارة إلى الإجماع. فتكون الآية، بزعمه، دلت على الأصول الأربع.
ولا يخفى ما في هذا التعمق من دقيق الاستنباط.
الخامس- قدمنا رواية البخاريّ في سبب نزول هذه الآية. وأن ابن عباس قال:
نزلت في عبد الله بن حذافة.
قال الداوديّ (شارح الصحيح) : هذا وهم على ابن عباس. فإن عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب عليهم. فأمرهم أن يوقدوا نارا ويقتحموها. فامتنع بعض وهم بعض أن يفعل.
قال: فإن كانت الآية نزلت قبل، فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره؟ وإن كانت نزلت بعد فإنما قيل لهم: إنما الطاعة في المعروف، وما قيل لهم:
لم لم تطيعوه؟ انتهى.
وأجاب الحافظ ابن حجر: أي المقصود في قصته قوله فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به. وسببه أن الذين هموا أن يعطوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة. والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار. فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع. وهو الرد إلى الله وإلى رسوله. أي: إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه فارجعوا إلى الكتاب والسنة.
والله أعلم.
ولما أوجب تعالى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ورسوله، آثرها بأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وإنما يريدون حكم غيره، فقال:

صفحة رقم 192

محاسن التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي

تحقيق

محمد باسل عيون السود

الناشر دار الكتب العلميه - بيروت
سنة النشر 1418
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية