ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السابقة الأجر العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات وكان من أجل تلك الأعمال أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس – لا جرم أمر بهما في هذه الآية.
روي عن ابن عباس قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة فلما أتاه قال أرني المفتاح ( مفتاح الكعبة ) فلما بسط يده إليه قام العباس فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هات المفتاح يا عثمان فقال هاك أمانة الله فقام ففتح الكعبة ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها حتى فرغ من الآية.
و بعد أن أمر سبحانه برد الأمانات إلى أهلها وبالحكم بين الناس بالعدل مخاطبا بذلك جمهور الأمة أمر بطاعة الله والرّسول وطاعة أولي الأمر إذ لا تقوم المصالح العامة إلا بذلك فقال :
{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم { أي أطيعوا الله واعملوا بكتابه وأطيعوا الرسول لأنه يبين للناس ما نزل إليهم فقد جرت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه رسل منهم تكفل بعصمتهم وأوجب علينا طاعتهم.
و أطيعوا أولي الأمر وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر وحكم وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا أمناء وألا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله التي عرفت بالتواتر وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه.
و أما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل إنما يؤخذ عن الله ورسوله فحسب وليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه.
فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع وكانوا مختارين في ذلك غير مكرهين بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة كما فعل عمر حين استشار أهل الرأي من الصحابة في الديوان الذي أنشأه وفي غيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الأمر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعترض عليه أحد من علمائهم في ذلك.
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول أي فإذا لم يوجد نص على الحكم في الكتاب ولا في السنة ينظر أولو الأمر فيه لأنهم هم الذين يوثق بهم فإذا اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه وإن اختلفوا وتنازعوا وجب عرض ذلك على الكتاب والسنة وما فيهما من القواعد العامة فما كان موافقا لهما علم أنه صالح لنا ووجب الأخذ به وما كان مخالفا لهما علم أنه غير صالح ووجب تركه وبذا يزول التنازع وتجتمع الكلمة وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس والأول هو الإجماع الذي يعتد به.
و مما تقدم تعلم أن الآية مبينة لأصول الدين في الحكومة الإسلامية وهي :
( ١ ) الأصل الأول القرآن الكريم والعمل به هو طاعة الله تعالى.
( ٢ ) الأصل الثاني سنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل به طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
( ٣ ) الأصل الثالث إجماع أولي الامر وهم أهم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجار والصناع والزراع ورؤساء العمال والأحزاب ومديري الصحف ورؤساء تحريرها – وطاعتهم حينئذ هي طاعة أولي الأمر.
( ٤ ) الأصل الرابع عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد والأحكام العامة المعلومة في الكتاب والسنة وذلك قوله : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول.
فهذه الأربعة الأصول هي مصادر الشريعة ولا بد من وجود جماعة يقومون بعرض المسائل المتنازع فيها على الكتاب والسنة ممن يختارهم أولو الأمر من علماء هذا الشأن.
و يجب على الحكام الحكم بما يقرونه وبذلك تكون الدولة الإسلامية مؤلفة من جماعتين : الأولى الجماعة المبينة للأحكام الذين يسمون الآن ( الهيئة التشريعية ) والجماعة الثانية جماعة الحاكمين والمنفذين وهم الذين يسمون ( الهيئة التنفيذية ).
و على الأمة أن تقبل هذه الأحكام وتخضع لها سرا وجهرا وهي بذلك لا تكون خاضعة لأحد من البشر لأنها لم تعمل إلا بحكم الله أو حكم رسوله صلى الله عليه وسلم بإذنه أو حكم نفسها الذي استنبطه لها جماعة أهل الحل والعقد والعلم والخبرة من أفرادها الذين وثقت بإخلاصهم وعدم اتفاقهم إلا على ما هو الأصلح لها
إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر أي ردوا الشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فإن المؤمن لا يقدم شيئا على حكم الله كما أنه يهتم باليوم الآخر أشد من اهتمامه بحظوظ الدنيا.
وفي هذا دليل على أن من لا يقدم اتباع الكتاب والسنة على أهوائه وحظوظه فإنه لا يكون مؤمنا حقا.
ذلك خير وأحسن تأويلا أي ذلك الرد للشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله خير لكم لأنه أقوى الأسس في حكومتكم والله أعلم منكم بما هو الخير لكم ومن ثم لم يشرع لكم في كتابه وعلى لسان رسوله إلا ما فيه مصالحكم ومنافعكم وما هو أحسن عاقبة لما فيه من قطع عرق التنازع وسد ذرائع الفتن.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير