*إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا٥٨ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاويلا٥٩ .
هاتان الآيتان هما أساس الحكومة الإسلامية ولو لم ينزل في القرآن غيرهما لكفتا المسلمين في ذلك إذا هم بنوا جميع الأحكام عليهما وقد ذكروا لنزولهما أسبابا وصرحوا بأن السبب الخاص لا يخصص عموم الخطاب.
أمر الله تعالى بردّ الأمانات إلى أهلها وبالحكم بين الناس بالعدل مخاطبا بذلك جمهور الأمة، ولما كان يدخل في رد الأمانات توسيد الأمة أمر الأحكام إلى أهلها القادرين على القيام بأعبائها، وكان يجب في الحكم بالعدل مراعاة ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وما يتجدد للأمة من الأحكام، وكانت المصلحة في ذلك لا تحصل إلا بالطاعة قال عز وجل : ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وقال الأستاذ الإمام في مناسبة الاتصال : إن هذه الآية وما قبلها وردتا في مقابلة قول الذين أوتوا نصيبا من الكتاب أن الكافرين أهدى من المؤمنين، بعد ما بين تعالى أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، ومن الطاغوت عند المشركين الأصنام والكهان فكانوا يحكمون الكاهن ويجعلونه شارعا ويقتسمون عند الصنم ويعدون ذلك فصلا في الخصومة، وقد اتخذ اليهود الجبت والطاغوت مثلهم وطواغيتهم ورؤسائهم الذين يحكمون فيهم بأهوائهم فيتبعونهم ككعب بن الأشرف مع أن عندهم التوراة فيها حكم الله، ولكنهم كانوا يقولون إن هؤلاء الرؤساء أعلم منا بالتوراة وبمصلحتنا. فالله تعالى قد بين لنا حالهم وقرنه ببيان ما يجب أن نسير عليه في الشريعة والأحكام حتى لا نضل كما ضل المشركون وأهل الكتاب الذين اتخذوا أفرادا منهم أربابا إذ جعلوا شارعين فكانوا سبب طغيانهم ولذلك سموا طواغيت.
( ثم قال ) : أمر بطاعة الله وهي العمل بكتابه العزيز وبطاعة الرسول لأنه هو الذي يبين للناس ما نزل إليهم، وقد أعاد لفظ الطاعة لتأكيد طاعة الرسول، لأن دين الإسلام دين توحيد محض لا يجعل لغير الله أمرا ولا نهيا ولا تشريعا ولا تأثيرا، فكان ربما يستغرب في كتابه الأمر بطاعة غير وحي الله، ولكن قضت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه للناس رسل منهم وتكفل بعصمتهم في التبليغ ولذلك وجب أن يطاعوا فيما يبينون به الدين والشرع. مثال ذلك عن الله تعالى هو الذي شرع لنا عبادة الصلاة وأمرنا بها ولكنه لم يبين لنا في الكتاب كيفيتها وعدد ركعاتها ولا ركوعها وسجودها ولا تحديد أوقاتها فبينها الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بأمره تعالى إياه بذلك في مثل قوله : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [ النحل : ٤٤ ] فهذا البيان بإرشاد من الله تعالى فاتباعه لا ينافي التوحيد ولا كون الشارع هو الله تعالى وحده.
قال : وأمرنا أولوا الأمر فقد اختلف فيهم فقال بعضهم هم الأمراء واشترطوا فيهم أن لا يأمروا بمحرم كما قال مفسرنا ( الجلال ) وغيره والآية مطلقة ( أي وإنما أخذوا هذا القيد من نصوص أخرى كحديث ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) (١) وحديث ( إنما الطاعة في المعروف ) (٢) وبعضهم أطلق في الحكام فأوجبوا طاعة كل حاكم وغفلوا عن قوله تعالى منكم وقال بعضهم إنهم العلماء ولكن العلماء يختلفون فمن يطاع في المسائل الخلافية ومن يعصى ؟ وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين يمكنهم أن يستنبطوا الأحكام غير المنصوصة من الأحكام المنصوصة. وقالت الشيعة إنهم الأئمة المعصومون، وهذا مردود إذ لا دليل على العصمة ولو أريد ذلك لصرحت به الآية. ومعنى أولي الأمر الذين يناط بهم النظر في أمر إصلاح الناس أو مصالح الناس، وهؤلاء يختلفون أيضا فكيف يؤمر بطاعتهم بدون شرط ولا قيد ؟.
قال رحمه الله تعالى إنه فكر في هذه المسألة من زمن بعيد فانتهى به الفكر إلى أن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا منا، وأن لا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه. وأما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل هو مما يؤخذ عن الله ورسوله فقط ليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه.
فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة ويصح أن يقال هم معصومون في هذا الإجماع ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرط مع اعتبار الوصل والاتباع المفهوم من الآية. وذلك كالديوان الذين أنشاه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة ( رضي الله عنه ) وغيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الأمر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك.
قال : فأمر الله في كتابه وسنة رسوله الثابتة القطعية التي جرى عليها ( صلى الله عليه وسلم ) بالعمل هما الأصل الذي لا يرد وما لا يوجد فيه نص عنهما ينظر فيه أولوا الأمر إذا كان من المصالح لأنهم هم الذين يثق بهم الناس فيها ويتبعونهم فيجب أن يتشاوروا في تقرير ما ينبغي العمل به فإذا اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه، وإن اختلفوا وتنازعوا فقد بين الواجب فيما تنازعوا بقوله : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وذلك بأن يعرض على كتاب الله وسنة رسوله وما فيهما من القواعد العامة والسيرة المطردة فما كان موافقا لهما علم أنه صالح لنا ووجب الأخذ به وما كان منافرا علم أنه غير صالح ووجب تركه وبذلك يزول التنازع وتجتمع الكلمة، وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس والأول هو الإجماع الذي يعتد به، وقد اشترطوا في القياس شروطا بالنظر إلى العلة، والغرض من هذا الرد أن لا يقع خلاف في الدين والشرع لأنه لا خلاف ولا اختلاف في أحكامهما. كذا قال الأستاذ والمراد أن لا يفضي التنازع إلى اختلاف التفرق الذي يلبس المسلمين شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، وسيأتي بيان ذلك مفصلا ولكنهم لم يعملوا بالآية فتفرقوا واختلفوا.
ذكر الأستاذ الإمام في الدرس أن ما اهتدى إليه في تفسير أولي الأمر من كونهم جماعة أهل الحل والعقد لم يكن يظن أن أحدا من المفسرين سبقه إليه حتى رآه في تفسير النيسابوري، وأقول إن النيسابوري قد لخص في المسألة ما قاله الفخر الرازي بل جميع تفسيره تلخيص لتفسير الرازي مع زيادات قليلة، وإنما خصه الأستاذ بالذكر لأن ظاهر عبارة الرازي تشعر بأن أولي الأمر هم أهل الإجماع المصطلح عليه في أصول الفقه وهم المجتهدون في الأحكام الظنية الفقهية وإن عبر عنه تارة بإجماع الأمة وتارة بإجماع أهل الحل والعقد كأنه رأى أنه يسمي أهل الإجماع أهل الحل والعقد لقوله إن العلماء هم أمراء الأمراء، أي يجب أن يكونوا كذلك ولكنهم ليسوا كذلك بالفعل. وأما النيسابوري فعبارته هي التي تؤدي المعنى الذي قاله الأستاذ فإنه قال بعد إبطال الأقوال المشهورة في تفسير أولي الأمر :" وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء فالمراد بقوله وأولي الأمر ما اجتمعت الأمة عليه " اه. فقوله أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء هو بمعنى قول الأستاذ الذي أدخل فيه أمراء الجند ورؤساء المصالح وهذا هو المعقول لأن مجموع هؤلاء هم الذين تثق بهم الأمة وتحفظ مصالحها، وباتفاقهم يؤمن عليها من التفرق والشقاق ولهذا أمر الله بطاعتهم لا لأنهم معصومون من الخطأ فيما يقررونه.
وقد رأينا أن ننقل بعض ما قاله الرازي لتصريحه فيه بما يسمونه اليوم في عرف أهل السياسة بسلطة الأمة وتفنيده قول من قال إن المراد بأولي الأمر الأمراء والسلاطين وهو ما يتزلف به المتزلفون إليهم حتى أنهم كانوا يتلون هذه الآية على مسامع السلطان عبد الحميد في كل صلاة جمعة على أنا قد صرحنا بهذه الحقائق في المنار وفي التفسير من قبل.
قال الرازي بعد تقرير كون الجزم بطاعة أولي الأمر يقتضي عصمتهم فيما يطاعون فيه ما نصه : ثم نقول ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة، لا جائز أن يكون بعض الأمة لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا وإيجاب طاعتهم مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة إننا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ( أقول ومثله المجتهدون في الفقه ) عاجزون عن الوصول إليهم ( كذا ) عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم. وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المسلمين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة ولا طائفة من طوائفهم، ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله { وأولي الأمر أهل الحل والعقد من الأمة وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة ".
ثم ذكر أن الأقوال المأثورة عن علماء التفسير في أولي الأمر أربعة :
١ الخلفاء الراشدون.
٢ أمراء السرايا أقول وهم قواد العسكر عند عدم خروج الإمام فيه أي في العسكر.
٣ علماء الدين الذين يفتون ويعلمون الناس دينهم.
٤ الأئمة المعصومون وعزاه إلى الرافضة.
ثم أورد على التفسير الذي اختاره إيرادين أو سؤالين أحدهما : لما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه وكان القول الذي نصرتموه خارجا عنها كان ذلك بإجماع الأمة باطلا ؟ السؤال الثاني : أن نقول حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين أولى مما ذكرتم ويدل عليه وجوه الأول : إن الأمراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق فهم في الحقيقة أولوا الأمر أما أهل الإجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى والثاني : أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه : أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل وأما آخر الآية فهو أنه أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الإجماع. الثالث : أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالغ بالترغيب في طاعة الأمراء فقال ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني ) (٣) فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال ". قال : والجواب أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله وأولي الأمر منكم على العلماء فإذا قلنا المراد منه جميع العلماء من أهل الحل والعقد لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة بل كان هذا اختيارا لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة فاندفع السؤال الأول.
وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة والذي ذكرناه برهان قاطع فكان قولنا أولى، على أنا نعارض تلك الوجوه بوجوه أخرى أقوى منها فأحدها : أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما تجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة وعن طاعة الله وطاعة رسوله بل يكون داخلا فيه، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول. أما إذا حملناه على الإجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها لأنه
٢ أخرجه البخاري في الأحكام باب٤، والآحاد باب١، والمغازي باب٥٩، ومسلم في الإمارة حديث ٤٠، ٣٩، وأبو داود في الجهاد باب٨٧، والنسائي في البيعة باب٣٤، وأحمد في المسند١/١٢٤، ٩٤، ٨٢..
٣ أخرجه البخاري في الجهاد باب ١٠٩، والاعتصام باب٢، والأحكام باب١، ومسلم في الإمارة حديث ٣٣، ٣٢، والنسائي في البيعة باب٢٧، وابن ماجة في المقدمة باب١، والجهاد باب ٣٩، واحمد في المسند ٢/٥١١، ٤٧١، ٤١٦، ٣٨٢، ٣٤٢، ٣١٣، ٢٧٠، ٢٥٢، ٢٤٤، ٩٣..
تفسير المنار
رشيد رضا