مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ( النساء : ٨٠-٨٢ )
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه فيما تقدم بطاعة الله وطاعة الرسول وبين جزاء المطيع وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الإيمان وضعفه ثم أمر بالقتال وبين مراتب الناس في الامتثال له أعاد هنا أمر بالطاعة وبين أنها أولا وبالذات لله ولغيره بالتبع وبين ضروب مراوغة الضعفاء والمنافقين.
الإيضاح : من يطع الرسول فقد أطاع الله أي إن من أطاع الرسول فقد أطاع الله لأنه الآمر والناهي في الحقيقة والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهي فليست الطاعة له بالذات وإنما هي لمن بلغ عنه إذ قد جرت سنته سبحانه ألا يأمر الناس ولا ينهاهم إلا بواسطة رسل منهم يفهمون عنهم ما يوحيه إليهم ليبلغوه عنه.
أما ما يقوله الرسول من تلقاء نفسه وما يأمر به مما يستحسنه باجتهاده ورأيه من أمور المعيشة كتأبير النخل ( تلقيحه بطلع الذكر ) ونحوه مما يسميه العلماء أمر إرشاد فطاعته فيه ليست من الفرائض التي فرضها الله لأنه ليس دينا ولا شرعا عنه تعالى فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكيل الطعام كالقمح وغيره من الحبوب عند طحنه وعند عجنه وهو من التدبير والاقتصاد في البيوت وأكثر المسلمين أهملوه إلا من تعود منهم التدبير وحسن التقدير في المنازل وكذلك أمر بأكل الزيت والادهان به.
و قد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا شكوا في الأمر أمن عند الله هو أم من رأي الرسول واجتهاده ؟ وكان لهم في ذلك رأي آخر سألوه فإن أجابهم بأنه من الله أطاعوه بلا تردد وإن قال إنه من رأيه ذكروا رأيهم وربما رجع النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيه إلى رأيهم كما فعل في بدر وأحد.
روى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :" من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل ؟ لقد قارف الشرك قد نهى أن نعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فأنزل الله هذه الآية ".
فالمؤمن حقا لا يكون خاضعا إلا لخالقه وحده دون أحد من خلقه والخروج عن ذلك شرك وهو نوعان :
أن ترى لبعض المخلوقات سلطة غيبية وراء الأسباب العادية ومن ثم ترجو نفعها وتخاف ضرها وتدعوها وتذل لها وذلك هو الشرك الألوهية..
أن ترى لبعض المخلوقين حق التشريع والتحليل والتحريم كما فسر النبي صلى الله علية وسلم قوله تعالى : اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ( التوبة : ٣١ ) بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون وذلك هو الشرك في الربوبية.
ذاك المؤمن يحب أن يكون أعز الناس نفسا وأعظمهم كرامة فلا يرضي أن يستعبده سلطان ظالم ولا حاكم مستعبد إذ هو يعلم علم اليقين أن الكل عبيد مسخرون لله تعالى يخضعون لأمره وأن ذلك منتهى سعادتهم في الدارين.
ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا أي ومن أعرض عن طاعتك التي هي طاعة الله فليس لك أن تكرهه عليها لأنك ما أرسلت إلا مبشرا ونذيرا ولم ترسل مسيطرا أو رقيبا تحفظ على الناس أفعالهم وأقوالهم فالإيمان والطاعة إنما يكونان بالاختيار بعد الإقناع والاختبار.
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه فيما تقدم بطاعة الله وطاعة الرسول وبين جزاء المطيع وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الإيمان وضعفه ثم أمر بالقتال وبين مراتب الناس في الامتثال له أعاد هنا أمر بالطاعة وبين أنها أولا وبالذات لله ولغيره بالتبع وبين ضروب مراوغة الضعفاء والمنافقين.
تفسير المراغي
المراغي