ومن بعد ذلك يقول الحق :
من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا٨٠ .
والطاعة للرسول هي طاعة لله، وذلك أمر منطقي ؛ لأنه رسول، فمن أطاع الرسول فطاعته طاعة لله ؛ لأن الرسول إنما يبلغ عمن أرسله.
ولذلك ففي المسائل الذاتية التي كان يفعلها سيدنا رسول الله كبشر وبعد ذلك يطرحها قضية من عنده كبشر، وعندما يثبت عدم صحتها يعطينا رسول الله مثالا عن أمانته.
فعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال : لو لم تفعلوا لصلح، قال : فخرج شيصا، فمر بهم، فقال : ما لنخلكم ؟ قالوا : قلت : كذا وكذا، قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم ١.
أي في المسائل الخاضعة للتجربة في المعمل والتي لا دخل للسماء فيها. أما الأمور الخاضعة لنواميس الكون فلا يتركها للعباد. ومن العجيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يتصرف في شيء لم يكن لله فيه حكم مسبق ويعدله له الله بينه وبين نفسه فمحمد هو الذي يبلغنا بهذا التعديل لنشهد واقعا أنه صادق في البلاغ عن الله ولو كان على نفسه. وجاءت هذه الآية الكريمة بعد قول الحق سبحانه : وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ( من الآية ٧٩ سورة النساء ).
والرسول كما نعلم هو من بلغ عن الله شرعه الذي يريد أن يحكم به حركة حياة الخليفة في الأرض وهو الإنسان. وإذا ما نظرنا إلى المادة المأخوذة من الراء والسين واللام وجدنا الحق سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ( من الآية ٥٢ سورة الحج ).
إذن فالرسول قد يكون رسولا بالمعنى المفهوم لنا، وقد يكون نبيا، كلاهما مرسل من الله. ولكن الفارق أن الرسول يجيء بشرع يؤمر به ؛ ويؤمر هو أيضا بتبليغه للناس ليعملوا به، ولكن النبي إنما يرسله الله ليؤكد سلوكا نموذجيا للدين الذي سبقه ؛ فهو مرسل كأسوة سلوكية. ولكن الرسول على إطلاقه الاصطلاحي يأتي بمنهج جديد قد يختلف في الفروع عن المنهج الذي سبقه. وكلاهما رسول ؛ هذا يجيء بالمنهج والسلوك ويطبقه، والنبي يأتي بالسلوك فقط يطبقه ليكون نموذجا لمنهج سبقه به رسول.
وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل، وجعل خاتم الرسل يدنا محمدا فمعنى ذلك أن رسالته صلى الله عليه وسلم ستكون رسالة لا استدراك للسماء عليها، وإذا كانت رسالته صلى الله عليه وسلم رسالة لا استدراك للسماء عليها، فكيف يعقل أن تكون رسالته موضوعا لاستدراك البشر عليها ؟.
فمادام الله قد ختم به الرسالة، وأنزل عليه قوله : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا إذن فلم يعد للسماء استدراك على هذه الرسالة، فكيف يأتي بعد ذلك إنسان معاصر أو غير معاصر ليقول : لا، إننا نريد أن نستدرك كذا أو نقول : الحكم كذا أو هذا الحكم لا يلائم العصر إذا كان الله لم يجعل للسماء استدراكا على الرسالة لأن الله أكملها وأتمها فكيف يسوغ للبشر أن يكونوا مستدركين على الرسالة ؟.
إن الرسول حين يضاف، يضاف مرة إلى الله، ويضاف مرة إلى المرسل إليهم ؛ لأنه واسطة التعلق بين المرسل والمرسل إليه، فإن أردت الإضافة بمعنى " من " الابتدائية ؛ تقول : رسول الله، أي رسول من الله. وإن أردت الغاية من الرسالة تقول : رسول إلى الناس أو رسول للناس. إذن فالإضافة تأتي مرة بمعنى " من " وتأتي مرة بمعنى " اللام "، وتأتي مرة بمعنى " إلى ".
وأمر الرسالة ضروري بالنسبة للبشر ؛ لأن الإنسان إذا ما استقرى وتتبع الوجود كله بفطرته وبعقله السليم من غير أن يجيء له رسول، فإنه يهتدي بفطرته الى أن ذلك الكون لا يمكن أن يكون إلا عن مكون له قدرة تناسب هذه الصفة المحكمة البديعة. ولابد أن يكون قيوما لأنه يمدنا دائما بالأشياء، لكن أنعرف بالعقل ما تريد هذه القدرة ؟ نحن ننتهي فقط إلى أن وراء الكون قوة، هذه القوة لها من القدرة والحكمة والعلم والإرادة وصفات الكمال ما يجعلها تخلق هذا الكون العجيب على تلك الصورة البديعة ذات الهندسة الدقيقة، وهذا الكون له غاية. أيمكن إذن للعقل ان يضع اسما لهذه القوة ؟. فكونها قوة يستلزم أن يكون لها قدرة وحكمة، لكنا لا نعرف اسمها، فكان ولابد أن يجيء رسول، هذا الرسول يعطي للناس جواب ما شغلهم وهو : ما القوة التي خلقت هذا الكون وجعلته بهذه الصنعة العجيبة.
ويقف العقل هنا وقفة، فعندما يأتي الرسول ويقول : أنا أدلكم على هذه القوة اسما ومطلوبا، كان يجب على الخلق أن يرهفوا آذانهم له ؛ لأنه سيحل لهم ذلك اللغز الذي رأوه بأنفسهم وأوقعهم في الحيرة المؤمن منهم والكافر يؤمن بهذا لأنه يجد نفسه في كون تخدمه فيه أجناس أقوى منه، ولا تتخلف عن خدمته أبدا، وأجناس لا تدخل تحت طاقته ولا تحت قدرته وتصنع له أشياء لا يفهم عقله كيف تعمل، فكان الواجب أن يؤمن.
لقد ضربنا مثلا وقلنا : لو أن إنسانا وقعت به طائرة أو انقطع به طريق في صحراء، و ليس معه زاد ولا ماء، وبعد ذلك جلس فغلبه النوم فنام، ثم استيقظ فوجد مائدة منصوبة فيها أطايب الطعام وفيها الشراب السائغ. بالله قولوا لي : ألا يشتغل عقله بالفكر فيمن جاء بالأطعمة قبل أن يتناول منها شيئا ؟ لذلك كان من الواجب قبل أن ننتفع بهذه الأشياء أن نلفت ذهننا : من الذي صنع هذه الصنعة ؟ ! ومع ذلك تركنا الله فترة حتى نفكر، حتى إذا جاء رسول يقول : القوة التي تبحث عنها بعقلك هذه اسمها كذا ومطلوبها منك كذا، وأنت كائن ومخلوق لها أولا وإليها تعود أخيرا.
وخلاصة المسالة أن الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلق أعد لهم مائدة الكون، وفيها الأجناس التي تخدمه كما قلنا : سلسلة الأجناس وخدمتها تجعلك تتعجب وتتساءل : كيف يخدمني الأقوى مني ؟.
الشمس التي لا تدخل تحت قدرتي، والقمر الذي لا أستطيع أن أتناوله، والريح التي لا أملك السيطرة عليها، والأرض التي لا أستطيع أن أتفاهم معها، كيف تؤدى لي هذه الخدمات ؟. لابد أن يكون هناك من هو أقوى مني ومنها هو الذي سخرها لخدمتي. وهل رأيت شيئا من هذه الأشياء امتنع أن يؤدى لك الخدمة أو نقص منها شيئا ؟. لم يحدث ؛ لأنها مسخرة، فإذا جاء رسول من الله ليحل لنا لغز هذه الحياة ويدلنا على موجدها، كان يجب أن نفتح له آذاننا ونسمعه، فإذا ما قال لي : الذي خلق لك الكون هو الله، والذي خلقك هو الله وهو صانعك، وأرسلني بمنهج لك كي تؤدي مهمتك كما ينبغي فافعل كذا ولا تفعل كذا، وأنت صائر إليه ليحاسبك على ما فعلت، وهذا المنهج هو خلاصة الأديان كلها.
ولذلك يكون مجيء الرسول ضروريا وبعد ذلك يؤيده سبحانه بمعجزة تثبت صدقه، ومادام قد أرسله بالمنهج الذي هو : افعل ولا تفعل، فهذا يعني أن تطيع هذا الرسول، ويقول ربنا في آية أخرى :
وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ( من الآية٦٤ سورة النساء ).
أي ليست الطاعة ذاتية له، إنما الطاعة صادرة من الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتميز عن سائر الرسل، لأن معجزته التي تؤيد صدقه في بلاغه عن الله هي عين كتاب منهجه في الاصول، وكل الرسل كانت على غير ذلك. كان الرسول يأتي بمعجزة ويأتي بكتاب منهج، العصا واليد البيضاء كانت لموسى هذه معجزته ؛ ولكن منهجه في " التوراة "، إذن فالمعجزة منفصلة عن المنهج.
سيدنا عيسى معجزته مثلا : أنه يبرئ الاكمه والأبرص، لكن كتاب منهجه " الإنجيل "، إلا سيدنا رسول الله فإن معجزته وهي القرآن هي عين منهجه ؛ لأن الله أراد للدين الخاتم ألا تنفصل فيه المعجزة من المنهج.
إن معجزات الرسل السابقين على رسول الله من رآها يؤمن بها، والذي لم يرها يسمع خبرا عنها، وإن كان واثقا ممن أخبره يصدقه، وإن لم يكن واثقا لأنها ليست أمامه فلا يصدقه، ولولا أن الله أخبرنا بهذه المعجزات في القرآن لكان من الممكن أن نقف فيها.
أما معجزته صلى الله عليه وسلم فباقية بقاء منهجه، ويستطيع كل مسلم أن يقول في آخر عمر الدنيا : محمد رسول الله وتلك معجزته، اما غيره من الرسل فلا ياتى احد ويقول فلان رسول الله وتلك معجزته لأنها حدثت وانتهت، أما القرآن فهو باق بقاء الرسالة والكون.
والرسول صلى الله عليه وسلم حين يأتي بالبلاغ عن الله فالحق يبين لنا : أنا أرسلت الرسول ليطاع. والمنطق أن يقول القرآن : من يطع الرسول فقد أطاع الله ؛ لأن الرسول جاء مبلغا عن الله ؛ فالمباشر لنا هو رسول الله، وعرفنا من قبل أنه إذا ما توارد أمر الطاعة من الله مع أمر مع رسوله نطيع الاثنين، وإذا كان الله قد جاء بأمر إجمالي كالزكاة والحج، وجاء الرسول ففصل، فنطيع الله في الأمر الإجمالي ونطيع الرسول في الأمر التفصيلي، وإذا كان الله لم يجيء بحكم لا مجمل ولا مفصل، فقد جاء التشريع من الرسول بالتفويض الذي فوض الله فيه رسوله بقوله :
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( من الآية٧ سورة الحشر ).
فالرسول الوحيد الذي أعطاه الله تفويضا في التشريع هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل الرسل بلغوا عن الله ولم يبلغ واحد منهم عن نفسه شيئا إلا سيدنا رسول الله، فقد فوضه الله سبحانه وتعالى بقوله : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا إذن فللرسول مهمة داخلة في إطار القرآن أيضا، ومثال ذلك في حياتنا نجد من يقول لموظف : إن الموظف الذي يغيب خمسة عشر يوما في قانون الدولة يفصلونه، فيأتي موظف ومعه دستور البلاد ليرد ويقول : هذا هو الدستور وقد قرأته فلم أجد فيه هذا القانون، وهذا الكلام الذي تقوله عن فصل الموظف غير دستوري.
نقول له : إن الدستور قال في هذه المسألة : وتؤلف هيئة تنظم أعمال العاملين في هذا المجال، إذن فبالتفويض توجد هيئة تضع نظاما ليطبق على العاملين فتكون هذه من الدستور، فكل بنود قانون العاملين تدخل في التفويض الذي نص عليه في الدستور للهيئات أو للجان التي تضع التشريعات الفرعية، فكذلك إذا قيل لك : هات دليلا من القرآن على أن صلاة المغرب ثلاث ركعات وأن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع ركعات، وأن العشاء أربع ركعات، هات دليلا من القرآن على هذه، تقول : دليلي من القرآن : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، والرسول صلى الله عليه وسلم كي يضمن سلامة المنهج من هذه التحريفات التي يفترونها يقول :" لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه أمر مما أمرت به، أو نهيت عنه فيقول : لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ".
وفي رواية أخرى : عن المقدام بن معد يكرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله " ٢.
أروى هذا الحديث عن الرسول كي تعرفوا غباء القائلين بهذا، ولنقل لهم : قولكم هذا دليل على صدق الرسول، بالله فلو لم يأت واحد بمثل قولكم بأنه لا يوجد إلا القرآن، بالله ماذا كنا نقول للمحدثين الذين رووا حديث رسول الله، ولو لم يقولوا هذا لقلنا : النبي قال : يتكئ رجل على أريكته ويتحدث، ولم يتكلم أحد بما يخالف هذا الكلام. إذن
.
٢ رواه الترمذي في العلم واللفظ له، ورواه أحمد وابن ماجة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي