٤- كل وعيد لله تعالى توعد به عبداً من عباده مقيد بعدم توبة المتوعد.
٥- كل رحمة وهدى ونور في كتاب الله لا ينتفع به إلا أهل الإيمان والتقوى.
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
شرح الكلمات:
واختار موسى قومه سبعين رجلاً: أي أخذ خيار قومه وهم سبعون رجلاً.
لميقاتنا: أي للوقت الذي حددناه له ليأتينا مع سبعين رجلاً.
أخذتهم الرجفة: الصاعقة التي رجفت لها القلوب.
السفهاء: جمع سفيه: وهو الذي لا رشد له في سائر تصرفاته.
إن هي إلا فتنتك: أي ما هي إلا فتنتك أي اختبارك لأهل الطاعة من عبادك.
أنت ولينا: أي المتولي أمرنا وليس لنا من ولي سواك.
هدنا إليك: أي رجعنا إليك وتبنا.
الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب.
المعروف، والمنكر: ما عرفه الشرع والمنكر: ما أنكره الشرع.
ويحرم عليهم الخبائث: أي بإذن الله والخبائث جمع خبيثة: كالميتة مثلاً.
ويضع عنهم إصرهم والأغلال: الإصر: العهد والأغلال: الشدائد في الدين.
عزروه: أي وقروه وعظموه.
واتبعوا النور الذي أنزل معه: القرآن الكريم.
هم المفلحون: الفائزون أي الناجون من النار الداخلون الجنة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في أحداث موسى مع بني إسرائيل فإنه بعد الحدث الجلل الذي حصل في غيبة موسى وذلك هو عبادة جل بني إسرائيل العجل واتخاذهم له إلهاً فإن الله تعالى وقت لموسى وقتاً يأتيه فيه مع خيار بني إسرائيل يطلب لهم التوبة من الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى واختار١ موسى قومه سبعين رجلاً ولما انتهى بهم إلى جبل الطور وغشيت الجبل غمامة وأخذ موسى يناجي ربه تعالى وهم يسمعون قالوا لموسى لن نؤمن لك بأن
| اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم | واختل من كان يُرجى عنده السُّولُ |
الذي كان يكلمك الرب تعالى حتى نرى الله جهرة أي عياناً وهنا غضب الله تعالى عليهم فأخذتهم صيحة رجفت لها قلوبهم والأرض من تحتهم فماتوا كلهم، وهو معنى قوله تعالى فأخذتهم الرجفة وهنا أسف موسى عليه السلام لموت السبعين رجلاً وقد اختارهم الخير فالخير فإذا بهم يموتون أجمعون فخاطب ربه قائلاً رب لو شئت أهلكتهم من قبل أي من قبل مجيئنا إليك وإياي وذلك في منزل بني إسرائيل حيث عبدوا العجل أتهلكنا بما فعل السفهاء منا١ أي بسبب فعل السفهاء الذين لا رشد لهم، وهم من عبدوا العجل كمن سألوا رؤية الله تعالى، وقوله عليه السلام إن هي إلا فتنتك أي إلا اختبارك وبليتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء، أنت ولينا فليس لنا سواك فاغفر لنا أي ذنوبنا وارحمنا برفع العذاب عنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة بأن توفقنا لعمل الصالحات وتتقبلها منا، وفي الآخرة تغفر ذنوبنا وتدخلنا جنتك مع سائر عبادك الصالحين، وقوله إنا هدنا إليك أي إنا قد تبنا إليك فأجابه الرب تعالى بقوله عذابي أصيب به من أشاء أي من عبادي وهم الذين يفسقون عن أمري ويخرجون عن طاعتي ورحمتي وسعت٢ كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون وبهذا القيد الوصفي، وبما بعده خرج إبليس واليهود وسائر أهل الملل ودخلت أمة الإسلام وحدها إلا من آمن من أهل الكتاب واستقام على دين الله وهو الإسلام. وقوله الذين يتبعون الرسول النبي الأمي هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يجدونه٣ مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل وذلك بذكر صفاته والثناء عليه وعلى أمته، وقوله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات أي التي كانت قد حرمت عليهم بظلمهم ويحرم عليهم الخبائث الخمر ولحم الخنزير والربا وسائر المحرمات في الإسلام، وقوله ويضع عنهم إصرهم أي ويحط عنهم تبعة العهد الذي أخذ عليهم بالعمل فيما في التوراة والإنجيل بأن يعملوا بكل ما جاء في
| ألستم خير من ركب المطايا | وأندى العالمين بطون راح |
٣ قال كعب في ذكر صفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التوراة: مولده مكة وهجرته بطابة وملكه بالشام، وأمته الحمّادون يحمدون الله على كل حال.. إلى أن قال: يصلّون حيثما أدركتهم الصلاة، صفهم في الصلاة كصفهم في القتال.
التوراة والإنجيل، وقوله والأغلال١ التي كانت عليهم أي الشدائد المفروض عليهم القيام بها وذلك كقتل النفس بالنفس إذ لا عفو ولا دية وكقطع الثوب للنجاسة تصيبه وغير ذلك من التكاليف الشاقة كل هذا يوضع عليهم إذا أسلموا بدخولهم في الإسلام وقوله تعالى فالذين آمنوا به أي بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعزروه٢ أي وقروه وعظموه ونصروه على أعدائه من المشركين والكافرين والمنافقين واتبعوا النور الذي أنزل معه وهو القرآن الكريم أولئك هم المفلحون أي وحدهم دون سواهم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب التوبة من كل ذنب، ومشروعية صلاة ركعتين وسؤال الله تعالى عقبها أن يقبل توبة التائب ويغفر ذنبه.
٢- كل سلوك ينافي الشرع فهو من السفه المذموم، وصاحبه قد يوصف بأنه سقيه.
٣- الهداية والإضلال كلاهما بيد الله تعالى فعلى العبد أن يطلب الهداية من الله تعالى ويسأله أن لا يضله.
٤- رحمة الله تعالى بأمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا تنال اليهود ولا النصارى ولا غيرهم.
٥- بيان شرف النبي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته.
٦- بيان فضل تزكية النفس بعمل الصالحات وإبعادها عن المدسيات من الذنوب.
٧- بيان فضل التقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٨- وجوب توقير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعظيمه ونصرته وإتباع الكتاب الذي جاء به والسنن التي سنها لأمته.
٢ عزّروه: أيّدوه مع توقيره وتعظيمه.
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ (١٦٢)
صفحة رقم 248أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري